الآخر وإعادة الإحياء في نص “توقٌ إلى شجر البعيد” للشاعر زين العابدين الضبيبي (قراءة تأويلية)

آخر تحديث : الثلاثاء 24 أبريل 2018 - 1:09 صباحًا
الآخر وإعادة الإحياء في نص “توقٌ إلى شجر البعيد” للشاعر زين العابدين الضبيبي (قراءة تأويلية)

الآخر وإعادة الإحياء في نص “توقٌ إلى شجر البعيد” للشاعر زين العابدين الضبيبي. قراءة تأويلية

…………..

صلاح الورافي

…………… بنية العنوان: يحمل العنوان دلالة اكتفاء الصبر والتمني اللامحدود ويُبدي لنا شغف الشاعر لكل ما يستحيل الوصول إليه، دون تحديد وجهةٍ زمنية ثابتة للماضي أو للمستقبل، ويُلاحظ شغف الشاعر أكثر من خلال بنية إعادة الإحياء في النص، التي تبدأ انطلاقاً من الماضي البعيد متسلسلةً لفترة ما بعد انتهاء الزمان مارةً بأحداث ووقائع تاريخية معلقةٍ مابين التصديق المطلق والإنكار المطلق. ……….. دائرة النص: يبدأ النص باستعراض الصبر الواصل لأقصى حدوده : طال الطريق ليرمي بعدها سبب الصبر الطويل المُرهق : ولم يزل جلجامش المخذول في أعماقنا – يهفو إلى شجر البعيد، يهش أسراب الحقيقة، والحقيقة كانت امرأة تزوجها السراب فأنجبا بالحظ سرداباً يقود من التراب إلى التراب. هذا السبب الخارج عن إطار الزمن يسلط الضوء على توارثنا للخذلان كمرضٍ يتوارثه الكائن البشري جيلاً بعد جيل، كما يكشف التعجل فينا كصفةٍ أخرى أو مرضٍ آخر متوراثٍ منذ القِدم بدأً بأسطورة جلجامش الذي ترك مدينته (الوركاء) باحثاً عن سر الخلود هذا السر الذي كان حسب أسطورته (نبتة) في قاع محيط استطاع الحصول عليها لكنه فقدها قبل وصوله إلى مدينته وقبل أن يستخدمها، ثم يبين لنا النص مرضاً آخر هو (هو عدم تقبل الحقيقة) ورفضها يقول المقطع : يهش أسراب الحقيقة والحقيقة كانت امرأة تزوجها السراب رفض الحقيقة الذي عاناه جلجامش كان أسوأ ما قد واجهه في حياته، فالحقيقة جميلةٌ ومرهقةٌ كالأنثى لكن تزويجها ودمجها وخلطها بالسراب والوهم لايمكن أن ينتج شيئاً ذا قيمة بل على العكس يقتل الحياة ويطفئ الروح كما تطفئ الريح الشمعة وتنتشلك من الموت الجسدي البعيد المُحقق إلى الموت الروحي القريب. ……….. وما إن تقفز قفزة كبيرة للهروب من شركِ حِمل الصبر الكبير حتى تقع في الصبر من جديد فتجد النص يطلب منك عدم التعجل ليخبرك أن ثمة سببٌ آخر للصبر. تدخل المقطع الثاني من النص ممتلئاً بالتعجب ورغبة المعرفة عن السبب الآخر لهذا الصبر المُرهق : طال الطريق ولم يزل بوذا يروض فكرة المجهول بالأبد المخاتل يصطفي حجراً يعلمه الكلام، يقول للنهر انتظر، فمعي الدليل إلى النهاية إنهُ حجرٌ فخذ منه الحكاية كلها وأدر خُطاك … هاهو يرمي إلينا السبب الآخر للصبر : وَهْمٌ آخر حملهُ بوذا وأورثه لمساحةٍ بشريةٍ واسعة، وهمُ الخلود الروحي والتناسخ. هذا الأبد المخاتل المخادعُ المراوغ الذي يغرس مفهوماً آخر مبنيٌ على خلود الإنسان عبر دائرة الموت والولادة. ثم يأتي ربط بوذا بحجرٍ كأنه يشرح ضياع كل جهوده التي بذلها من أجل أتباعه، اللذين تجاوزوا بجمود عقولهم جمود الحجر، ولربما أراد الشاعر أن يربط مصير بوذا بالحجر الذهبي الذي أصبح وجهةً للحجاج البوذيين وربط النهر القريب من هذا الحجر الذي صعُبَ عليه أن يقترب من حجر بوذا الذهبي، ليُسهل له الأمر أكثر من ما فعل أتباعه ذوي العقول المتحجرة حين قاموا بصنع تمثالٍ حجريٍ (تمثال ليشان بوذا) في نقطة التقاء ثلاثة أنهر، لكن النهر الذي رمى إليه الشاعر هو النهر البشري المتدفق وراء الأساطير باختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم، وما نهر أتباع بوذا سوى جزءٍ واحدٍ من أجزاء كثيرة، والحجر الذي كان واحداً كبيراً لم يعد كذلك، فقد بسّط أتباع بوذا المهمة ليدير الحجاج خطاهم قبل انطلاقهم بعد أن صنع الأتباع أحجار بوذا الصغيرة من حجر اليشم. ………… لكن هذا السبب أيضاً لم يكن يكفي لمساحة الصبر الكبيرة في النص، تتوالى الأسباب الوجودية الكبرى والعثرات البشرية التي صعُب على البشرية تجاوزها. يقول النص: طال الطريق ولم يزل في الكهف سبع حقائقٍ غيبيةٍ لا الشمس حالفها الضياء ولا استفاق الفتية النبلاء كيما يدركوا ورد البداويةِ من مؤامرة الهوى العصري، والحب المعلب في زجاجات العطور ….. هذا المقطع المليء بالمتناقضات المليء بالمقارنات، يعرض لنا صعوبة إرضاء الإنسان عقلاً وروحاً وعاطفة. فالحقائق لاتكون حقائقاً إذا ما اختلت شروط حقيقتها في العقل، لذا لا يمكن للعقل أن يؤمن بالأمور الغيبية كون شرط رؤيتها ولمسها غير متوفر، وهذا المبدأ ظهر قديماً مع ظهور الفلاسفة الأوائل ::قال أحدهم ويرجح أنه سقراط ::(أنا لا أؤمن إلا بما تراه عيني أو ما تلمس يدي) هذا ما يسير عليه أصحاب المبدأ العقلاني. لكن للروحانيين رأياً آخر، رأيٌ قادرٌ على خلق حقيقةٍ غيبيةٍ لا تستند على شروط الحقيقة الخاصة بالعقل، ويُبدي لنا النص إحدى هذه الغيبيات الواقعة بين الثبوت والأسطورية (أصحاب الكهف)، ثم يرمي النص شباكه على أحداث قصة أهل الكهف ودور الشمس بقصتهم، لكن النص هنا في بداية المقطع يرجح كفة العقل رافضاً لتدخل الشمس بما يُحكى ، ورافضاً لوجود الفتية السبعة منساقاً لكل واقعية العقل بتجاهله لكلبهم، يؤمن الشاعر تماماً في بداية المقطع أنه مامن وجودٍ لفتيةٍ ناموا كي يستيقظوا، لكنه رغم انحيازه للعقل يظهر لنا في نهاية المقطع أنه ما زال متأثراً بالروحانية فيسائل نفسه في سياق النص، ماذا لو أن أصحاب الكهف حقيقةً واستفاقوا في الألفية الثالثة، هل ستختلف نهاية القصة، هل سيصنعون خيطاً يفرق ما بين جمال بدواتهم وقبح عصريتنا، هل سيختلف مفهوم الحب الملطخ بالزيف والمحصور بالجنس الآخر …………….. يقفز النص بعدها قفزةً أخرى، كأنه يعرض لنا فيلماً بلا ألوان، يؤرخ للصبر مرحلةً مرحلة، حقيقةً حقيقة، أسطورةً أسطورة، ليفلسف لنا صبراً بمفهومٍ جديد. صبرٌ يمتلك مساحةً زمنية شاسعة يقول النص: طال الطريق ولم يزل عيسى ابن مريم في الصليب مشبهاً ومعلقاً، ويداهُـ مشرعتان للنفر الحواريين، والدين الجديد، وهاجس الوعد المؤجل في خيال الآدمية. ……… هنا يشُق الشاعر شقاً جديداً يمتلك وضوحاً عالياً، هذا الشق جاء نتيجة اختلاف الرؤية والرواية لقصة المسيح عيسى ابن مريم،والربط بين من يقولون (شُبِّه لهم) ومن يقولون صُلب وعُلِقَ فداءً لمن آمنوا فيه، ثم يدس الشاعر رؤيته الخاصة التي خَلقت الشق المتفرد المذكور سابقاً “ويداهـ مشرعتان للنفر الحواريين” والشاعر يضع كل مقصده في الحواريي (يهوذا) الذي خان المسيح قبل أن يخون البقية ليظهر سماحة المسيح عيسى، لكن الشاعر أراد أن ينبهنا أيضاً لكتابة الإنجيل التي جاءت متأخرةً على يد يوحنا الذي حول دين عيسى إلى دينٍ آخر جديد، مضمّناً كذلك الدين الذي يلي دين عيسى (دين محمد) ثم يفتح النص مجالاً للتفكير حول نسخ الأساطير والوعد من المسيحية إلى الاسلام (عودة عيسى والمهدي المنتظر). تشابه الوعد باختلاف الشخصيات يجعل القارئ يتوقف للحظات من أجل أن يفكك شيفرة المُخلص والتي قد تناسخت لديانات أخرى سماوية ووضعية ……….. بعد ذلك تقترب منا رقعة هذا الصبر أكثر فأكثر وتتسع دائرة أسبابه أكثر فأكثر : طال الطريق ولم يزل ختم النبوءةِ طائراً متغربياً مابين مكة والعراق ومهدراً كدمِ الصحابي القتيل، وضائعاً مابين من عادى “معاويةً” ومن قتل “الحسين” ….. هنا يرمي النص أكبر سببٍ يرهق هذا الصبر الكبير النزاع الطائفي الذي تعاني منه شعوب الإسلام، ولذكر ختم النبوءةِ دلالتين كبيرتين، فقد يرى قارىٌ أن مايقصد الشاعر هو ختم النبي الذي يختم بهِ على رسائله، وإن كان كذلك فإن الشاعر يصف لنا السيطرة المفروضة على تأويل ماقاله النبي، واتخاذ رجال مكة لأنفسهم حقوقاً حصرية لخطابات النبي دون غيرهم. وبالمثل اتخاذ رجال بغداد لأنفسهم أحقية خطابات النبي وتوجيهها ومن يدعي هذا غيرهم كاذب. أما المدلول الآخر هو ختم النبوءة الموجود بين كتفيّ النبي، وهنا لايخرج النص عن مضمون المدلول الأول لكن اختلافاً أهم يظهر لنا، هو اختلاف الدواعي لوراثة موقع النبي عبر الأزمنة، هنا يرمي النص إلى أن ختم النبوءة الجسدي أصبح مشتتاً بين طرفين متضادين كلٌ منهما يدّعي أنه ورث مساماً من مسامات رقعة الجلد التي يفترش عليه ختم النبوءة. ثم يضع الشاعر كل حزنه ولومه من أجل النبي الذي أصبح مهدراً بين هؤلاء ككل مسلمٍ سقط ظلماً وضاع حق دمه من أجل مصالح تم ربطها بترابين كانا في زمنٍ ما يأكلان الطعام. ……. ثم يقفز النص إلى المستقبل البعيد المستقبل الذي يحمل النهاية المُطمعة واضعاً كل الصبر والتوق إلى هذه النهاية وما بعدها يتجاوزها لما هو أبعد يقول المقطع الأخير من النص: طال الطريق ولم يزل في الغيب ما يُغري الثرى: حورٌ وغلمانٌ وحفلٌ صاخبٌ وشريط أنباء مفاجئة،ٍ ولكن السؤال : أثم تبغٌ فاخرٌ يوم القيامة سوف يكفينا إلى أن يُطرد الإنسان ثانيةً إلى الأرض الخراب؟ ……. هنا يضع النص كُل حمولة الصبر دفعةً واحدة، متذمراً ومقبحاً لكل من يرى أن المرجو من هذه الحياة هو الفوز لاحقاً بالحور والغلمان والجنة المليئة بالخمر والعسل وما هو غير مألوف، وتظهر لنا رؤية الشاعر التي تقول : بأن كل من يعتنق ديناً لأجل هذه الأهداف ماهو إلا واهمٌ يقبع في الحضيض، لينوه إلى أن الدين أسمى من كل هذا ويختار زاوية رفضٍ تذكرني بصديق مسيحي كتب ذات يومٍ (أتقتلني لأني أمارس الجنس وأشرب الخمر، لتذهب إلى جنةٍ تمارس فيها الجنس وتشرب الخمر؟؟) ثم يضع تصوراً مصحوباً باقتراحٍ يجب أن تأخذه السماء بعين الإعتبار يوحي لنا التصور أن من بعدنا سيأتي قومٌ مملون نشاهدهم من السماء فهل سنجد ما يجعلنا ننتشي في خضم الملل وهل ستكفي أخطاؤنا القادمة لنرجع جميعاً إلى الأرض مرةً أخرى لنغير كل هذا. … الصورة بعدسة الشاعر والفنان محمد العامري

رابط مختصر
2018-04-24 2018-04-24
أبابيل نت