محاولة لتحليل اغنية اسأل روحك لأم كلثوم

آخر تحديث : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 1:39 صباحًا
محاولة لتحليل اغنية اسأل روحك لأم كلثوم
غير معروف
جمال حسن

جمال حسن*

سخر الملحن رياض السنباطي من الحان الشباب لأم كلثوم قاصداً الموجي والطويل وبليغ حمدي، وبتهكم شديد تحدث عن عبدالوهاب كواحد من الملحنين الشباب في الحانه لأم كلثوم. وعبدالوهاب جارى الموجة اللحنية الجديدة، وكانت تجربته مع ام كلثوم، واضاف لهم عبدالوهاب لأنه جارى الحان بليغ الراقصة، عدا في اغنية “اصبح عندي الآن بندقية” التي كانت تميل لطابع وهابي رصين الى حد ما. وحين اكد له المحاور ان الحان الموجي لأم كلثوم كانت اصيلة، قال انه ملحن صغير.

وبصرف النظر عن الرأي المجحف، فهو لا يقلل عن قيمة السنباطي الفنية كواحد من عمالقة التلحين في مصر والعالم العربي. الا ان الموجي قدم واحدة من اجمل الحان ام كلثوم وواحدة من روائع الغناء العربي “اسأل روحك” وهو اللحن الوحيد الذي فرض فيه شخصيته، وإن كان يعيبه شيء، فلأنه اتى في خريف صوت ام كلثوم، ولم يأت في مراحله الذهبية، وقد ترك الزمن اثره عليها. وهو السبب الذي استدعى الموجي لتخفيض طبقة الأغنية بدرجة ونصف، كما نصحه عبدالوهاب، بعد غناءه له في اول حفلاتها.

الاغنية من مقام الحجاز كار، ولم يوظف الموجي في الاغنية الآلات الموسيقية الغربية التي ادخلها عبدالوهاب في اغاني ام كلثوم، ثم تبعه بليغ حمدي، حتى السنباطي استخدم الاورج والجيتار في اغنيتي اقبل الليل ومن اجل عينيك عشقت الهوى، لمواكبة ذلك التنافس. كما انه تجاهل المقدمات الموسيقية الطويلة، واكتفى بدولاب مع صولو عود، بدون ايقاع، ثم مقطوعة مع ايقاع المصمودي كما اظن من المقام الرئيسي لتستهل الغناء على نفس المقام، بتغيير طفيف داخل مقام الحجاز، حتى نهاية المذهب.

يبدأ الكوبليه الأول بنفس المقطع الموسيقي ويستمر في نفس المقام “كنت باشوفك… مع تغيرات مقامية تظل غالباً في اجناس الحجاز. لا استطيع ان اجزم في التنقلات المقامية. لكنها تنتقل الى الراست في “بعد الود اللي انا وهبتولك… ويتحول الى البيات عند “بعد العمر اللي انا عشتولك… حتى نهاية الغناء التي تفضي الى فاصل موسيقي من مقام الراست وتعود الى نفس المقطع. ثم نفس الفاصلة الموسيقية لتعود الى المذهب بتوطئة “غدرك بيا، اثر فيا” الذي يتكرر من الكوبليه الأول.

في الكوبليه الثاني يستخدم مقام الراست، في اللازمة الموسيقية ثم في مطلع الغناء: “انا ما نسيتش الحب وعهده ولا ايامه ولا لياليه..” الذي ينتهي بجواب وبدرجة مرتفعة، ثم يعود الى مقطع يظل في قرار الراست وبدرجة لحنية مختلفة: انا لوعني هواك، وانا علشان انساك.” وهذا التحول يفضي الى مقام اخر يخلو من ربع الصوت، هو الكرد: بابعد عن اي مكان رحته ولو مرة معاك. يعود الغناء للراست ثم تعود للحجاز كار وتنتقل الى الحجاز في “سيبتك من غير حتى ما فكر ح اقدر اسيبك او مش ح اقدر.” لتعود الى غناء المذهب.

هذا التلوين المقامي او التغيير جزء رئيسي من جمالية الأغنية العربية المفقود في الأغاني الحديثة. اضافة الى الحليات المقامية او ما يُسمى بالعُرب وهو المرور على نغمات من مقام اخر داخل خط لحني في مقام ما، دون تنشيز.

تعتمد الموسيقى الغربية على التعدد الصوتي او اللحني “البوليفوني، والهارموني”. بينما جمالية الموسيقى العربية تقوم على التنقلات المقامية، وهي جمالية افتقدتها الأغاني الحديثة التي تعتمد على مقام واحد، كما انها غالباً تندرج في مقامات محدودة يغلبها الكرد وبدرجة اقل النهاوند. وفي الألحان الشرقية يشيع البيات والحجاز. تشبه الموسيقى العربية هندسة زخرفية تشكلها البنية المقامية، الا انها انتقلت من التعقيد المقامي لأغاني النصف الثاني من القرن التاسع عشر وجزء كبير من النصف الاول للقرن العشرين. ومع ظهور الأسطوانة ورغبة الملحنين بجذب جمهور اوسع ظهر التبسيط المقامي، اضافة الى ادخال ايقاعات وآلات غربية، وهو ما ظهر بداعي التطوير. ثم هناك النزوع التعبيري وهو بدعة رومانتيكية لكنها لدى العرب اعتمدت ايضاً على الاجناس المقامية بصورة كبيرة وإن لم تكن نمطية تماماً.

اغنية اسأل روحك كانت مزج بين الطابع التقليدي للاغنية العربية وبعض الجوانب الحداثية حينها، الا ان ملحنها عزف عن ادخال آلات غربية، وهو ما بدأه عبدالوهاب ولحقه بليغ حمدي في ستينيات القرن العشرين، ثم بصورة متأخرة دخل هذا المنحى السنباطي باغنيتين هما اقبل الليل ومن اجل عينيك.

في الكوبليه الأخير يستخدم الموجي مقام العجم، لكن غناء المقطع الأول في الكوبليه يتغير بمقامات اخرى منها البيات.

ارجو المعذرة على وجود قصور واخطاء، وتكاد معرفتي البسيطة بهذا المجال تعتمد على الاحساس السماعي دون الإلمام الكافي بكل التفاصيل الموسيقية الغنية. وهذا اللحن واحد من الألحان الكبيرة في ثراءه. غير ان قوة اللحن ليست ابدا بعدد المقامات داخل اللحن، الا انها جمالية زخرفية تعرفنا بشخصية الأغنية العربية وإمكانية البناء عليها مستقبلاً لتطويرها ضمن اختمار معرفي بجوانب تطور الموسيقى في الغرب، وإن استورد كثير من المطورين بعض الإمكانيات الصوتية ودمجها في الألحان العربية، لكنها في الأغاني الحديثة اشبه بالاستهلاك اليومي، دون ان ننكر وجود الكثير من الألحان الجميلة ايضاً.

* كاتب يمني

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-12-29
أبابيل نت