الاربعاء ، ٠١ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - المعنى وظل المعنى الشاعر العماني سالم المعشني: "المجد قحطاني"
د. ثابت الأحمدي

المعنى وظل المعنى الشاعر العماني سالم المعشني: "المجد قحطاني"

د. ثابت الأحمدي
الجمعة ، ١٥ اكتوبر ٢٠٢١ الساعة ١١:٢٠ صباحاً

للشعر الغنائي سِمتُه الخاصّة من حيث بنيته الإيقاعية وموضوعه الفني ولغته التي تختلف عن الأغراض الشعرية الأخرى، باعتباره مسموعا أولا، وطبيعة الكلمة المسموعة غير الكلمة المقروءة، وباعتبار الكلمة المغناة مترافقة مع النغم الذي يجب أن يتجانس جرسهما الموسيقي ويلتحما ببعضهما. وهو ما يجعل هذا اللون الفني بعيدا عن متناول أي شاعر، بمن فيهم بعض الشعراء الكبار الذين أبدعوا وتميزوا في جملة أشعارهم؛ لكنهم في الشعر الغنائي أقل إبداعا في بقية الأغراض. 

الشاعر الغنائي ذو حساسية عالية جدا بالكلمة جرسا موسيقيا ومدلولا لغويا؛ لأنّ كثيرًا من القصائد على تمام أوزانها إلا أنها تستعصي على اللحن، فليس كل كلمة موزونة قابلة للتلحين، وليس كل فن قابل للتلحين أيضا قابل للاكتمال الفني والنفاذ إلى روح المتلقي. فلطالما سمعنا أعمالا مغناة ذائقتها الفنية تتلاشى بمجرد نطقها، وبالأصح ألا ذائقة. 

الشعر من الشعور كما قيل، وما لم يلامس ذائقة المتلقي فقدَ قيمته؛ بل فقد مُسمّاه الحقيقي. لهذا فإن الشعر الغنائي إلى الهندسة الروحية أقرب منه إلى نظم الكلمات، أو حشد الصور؛ لأن الصورة الشعرية في القصيدة المغناة ما لم يتم هندستها فنيا تصبح ضربا من العشوائية والخيال السريالي الذي يحيلها إلى صورة ارشيفية في بطون دواوين الشعر مهما كان جمالها الفني. 

الصورة الشعرية المغناة خفيفة اللون، رشيقة الحركة، بهية التخاطر، تثير الأحاسيس في أول خطرة لها، ومهندس هذه الصورة لا بد أن يكون على قدرٍ عالٍ من سلامة الذوق ورهافة التصوير، إلى جانب اتساع معجمه اللغوي وثقافته العامة.

 في تاريخ الشعر الغنائي اليمن برز فنانون أسّسوا مدارسَ فنية بعدهم من وقت مبكر. من هؤلاء موسى بهران، ومحمد بن عبدالله شرف الدين وعبدالرحمن الآنسي وعبدالله عبدالوهاب نعمان "سيد التصوير الغنائي" ومطهر الإرياني، ملك الأغنية الريفية ومحمد إسماعيل الأبارة. 

هل سينسى الشعر الغنائي خلال ألف عام قادمة على الأقل رائعة موسى بهران، ت: 933 هـ/1527م "بدا كالفجر تُوّج بالثريا"؟! لا أظن. 

هل ستُطوى صفحة محمد بن عبدالله شرف الدين الفنية كما طويت صفحات كثير من الفنانين الغنائيين؟! ذلك في عداد المستحيل. 

هل ثمة يمني لم يطرب لكلمات عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول"؟! 

مطهر الإرياني.. ألم تدخل رائعته المتميزة "خطر غصن القنا" كل بيت يمني؟! ويكفيه فيها أنه ببراعته السياسية وحسه الذوقي بما يحمل من مضامين اجتماعية أيضا استطاع صرف الأغنية الأصل عن ذهنية الجمهور من صورتها السلبية إلى صورة إيجابية جديدة، حتى بدا الجمهور لا يعرف شيئا عن الدودحية، بقدر ما يعرف عن قصيدة الشاعر والأديب مطهر الإرياني "خطر غصن القنا". 

قريبا من هؤلاء أيضا الشاعر الغنائي الحضرمي أبوبكر المحضار..

إن هؤلاء ليسوا مجرد شعراء غنائيين أبدعوا ورحلوا كغيرهم من الشعراء بمن في ذلك الشعراء المجيدين؛ بل تحولوا إلى مدارس وأكاديميات فنية تتسع أروقتها يوما بعد يوم، كلما جاء زمن خلدهم أكثر. وهذه طبيعة الأعمال العظيمة تحتاج إلى زمن أطول حتى يدرك الناس قيمتها، كما هو الشأن مع سيمفونية "بيتهوفن" التي تعتبر اليوم أكثر شهرة من شهرتها في الوقت الذي ولدت فيه على ما فيها من إبداع. 

لا أنسى هنا الشاعر الغنائي المتميز محمد إسماعيل الأبارة الذي لم ينل حقه من الشهرة للأسف، على إبداعه الفريد في مجال الشعر الغنائي، وخاصة في فن الأوبريت، وعدم شهرته تأتي من الزمن الذي يعيشه، فلم يكن زمن نضارة فنية بقدر ما هو زمن صراع سياسي؛ إذ توهجت جمرة إبداعه الفني ما بين نهاية الثمانينيات وحتى اليوم، وهي فترة صراع سياسي حاد، الفن فيها حالة استثنائية لم تسمح بتميز فني لأحد إلا في النادر، خلافا لمن سبقوه جميعا. 

أراني أطلتُ ــ مستطردًا ــ فيما يُعتبر مقدمة للحديث عن شاعرنا العماني المتميز والاستثنائي سالم بن بخيت المعشني "أبو قيس" الذي يعتبر ــ في تقديري ــ امتدادًا فنيا لهؤلاء الكبار في إبداعه الشعري. إبداع فني بنكهة التاريخ. 

سالم بن بخيت المعشني مخلص فنيا لهويته العمانية بقدر ما يبدو مخلصا لأرومته القحطانية، يريش حروف إبداعه بزهو "سيد الطواويس"، وحُق لها ذلك..! 

في الحقيقة روح الشاعر أكبر من أن يختزلها زمان أو مكان، إنها عصية على التحوصل والاختزال، ذلك أن الكلمة الشاعرة بامتدادها الفسيح وأفقها المفتوح رسالة إنسانية بالمقام الأول، وأبو قيس إنساني النزعة، عربي الانتخاء، يبدو طائرًا محلقا في فضاءات الأمكنة، بما تكتنزه هذه الأمكنة من لوحات تاريخية بديعة، تحمل في تعاريج خطوطها فلسفة التاريخ بأصالته، وروح الحاضر بمعاصرته. 

يا زاجل الحُب من صنعاء لملم همومي وأشجاني

من معبد الشمس من مأرب عندي رســالة لإخـواني

فيـــها معاني من المُســند والخط عربي وعثماني

هذا ليس مجرد مطلع لقصيدة عابرة من جملة المطالع التي ألفناها لبعض الشعراء الغنائيين.. هنا تجليات فن براعة الاستهلال بحرف النداء الذي يثير الانتباه ويشد السامع لما بعده، كما يقرر البلاغيون. 

هنا إعادة إبداعية أخرى لقصيدة الفضول على غير معرفة على الأرجح بقصيدة الفضول: 

يا معبد الشمس كم لك محتجب واحبيب. للفضول بصوت أيوب طارش.

أو لقصيدة أوبريت سد وادي سبأ لمطهر الإرياني

هنا في هذا المطلع يتجلى التاريخ في أنصع صورةٍ شعرية، حتى لكأنَّ الأديب إلى المؤرخ أقرب منه إلى الشاعر. 

ويواصل:

يا زاجلَ الحب لا تبطي يا الله توجه لسلطاني

خذني سحابة إلى مسقط للحاكم العادل الباني

لقد تجاوز أبو قيس المحلية إلى القطرية، بفرادة إبداعيه مدهشة. بروح الشاعر الأصيل ذي النزعة الإنسانية، تجاوزها موضوعا، بالتحليق ما بين صنعاء إلى مارب إلى عمان، مُعرجا على "الدان" الحضرمي؛ ومنطلقا من التاريخ الواحد والهوية الواحدة التي تربط الشعبين: 

الدم والدين يربطنا والمجد يا ناس قحطاني

 وقريبا منها رائعة: "يا باز فوق المشارف افردْ جناح الرياش". 

مع "زاجل الحب" تحديدا تكاملَ الجرسُ الموسيقي "المعشني" مع المقام الطربي الذي اختاره الفنان، بعزفه التفاعلي وموسيقاه البديعة التي تكادُ تشكل مادة لوحدها. اللحن، العزف، الموسيقى، ثلاثي مكتمل بدرًا تام الاكتمال. 

في رائعة أخرى: "تحتفل.. تبتسم". لنتأمل: 

تحتفل تبتسم تنثني تنتشي

فارعة بارعة ملهية ملهمة

كم صورةً راقصة في هذا المقطع لوحده؟! 

توقف النقاد قديما أمام الصورة الإبداعية في معلقة امرئ القيس في ذلك البيت الراقص:

مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علٍ

ألا تستحق صورة المعشني التوقف أكثر في مشهده التفاعلي البديع؟!

وهكذا تتسلسل الرائعة الغنائية صورًا راقصة متتالية على طول القصيدة في أبدع تصوير، عاش الشاعر تفاصيله داخليًا قبل أن ينثر هالاته الضوئية هذه على مسامع المتلقي، زادها أداءُ الفنان رونقًا بهيًا في أدق التحام روحي بين الشاعر والفنان. لا أدري كيف الحال معها إذا ما تم تعميدها بالموسيقى، كما تعمّدت "زاجل الحب"؟!

الشاعر المعشني "أبو قيس" مدرسة شعرية غنائية لا في عُمان فحسب؛ بل في المنطقة كلها، وهذا من اللون من الشعر ينبغي أن يكون مادة علمية في الأكاديميات والمداس الفنية. 

التحية في الختام للشاعر الكبير "أبي قيس" الذي منحنا قطرة من الضوء في ظلمة العتمة بكلماته المضيئة، التحية لروحه الشفافة التي منحتنا شلالات إبداعها المتميز، والتحية لعُمان شعبا ودولة.