الثلاثاء ، ٠٧ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - رقصة على جثة
د. محمد جميح

رقصة على جثة

د. محمد جميح
الخميس ، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢١ الساعة ٠٥:١٥ مساءً

في «مهرجان فاماديهانا» الذي تحييه قبيلة ميرينا في مدغشقر ـ كلَّ عدد من السنوات ـ يتم فتح القبور وإخراج الجثث، وتغيير أكفانها، والرقص معها لغرض إسعادها، وإدخال السرور إلى أرواحها، حيث يعتقد أبناء هذه القبيلة أن تلك الأرواح تظل متصلة بأقاربها وتشاركهم حياتهم اليومية.

وتُمارَس «رقصة النعوش» في غانا أثناء تشييع الموتى فيما يشبه الكرنفالات الاحتفالية التي تستمر أسابيع، تحييها فرق رقص متخصصة عالية الكلفة، حيث تعد إقامة تلك الكرنفالات أغلى من إقامة حفلات الزواج، وكل ذلك من أجل إسعاد روح الميت التي يعتقد الغانيون أنها تشاهد رقصات «حاملي النعوش» من العالم الآخر وتستمتع بها.
أما سكان إقليم «توراجا الأندلسي» فكانوا يهدفون إلى معايدة موتاهم عندما كانوا يفتحون قبورهم لمعايدتهم، والطواف بجثثهم في الشوارع، على أنغام موسيقى فرائحية مبهجة، مرددين لموتاهم:»كل عام وأنتم بخير». ويرجع دارسو سيكولوجيا تلك الجماعات البشرية هذه الطقوس الغريبة إلى الحنين البشري الدائم لاستمرارية الحياة والتواصل بين عالمين، والرغبة في نشر أجواء من الفرح للتخلص من الشعور بالفقد والفجيعة، والإحساس الممض بالنهاية والمصير المحتوم الذي تزيد من وطأته غربة تلك الجماعات البشرية عن العالم الأوسع، والشعور بالانعزالية والتقوقع على الذات.
ورغم غرائبية هذه الطقوس إلا أن الأغرب ربما كان «رقصة موت» أخرى تؤدى لغرض إظهار الشماتة والإهانة وتفريغ الأحقاد والثأر والانتقام وإرهاب الأعداء، وهي الرقصة التي جادت بها علينا الشاشات خلال «العشرية السوداء» العربية التي دخلت بها منطقتنا نفقاً مظلماً، ما زالت تتحسس طريقها للخروج منه.
وقد رأينا نماذج متعددة لرقصة الموت تلك في عدد من البلدان العربية التي انتشرت فيها الميليشيات والجماعات المسلحة التي شكلت كيانات موازية لأجهزة الدولة الرسمية، حيث تعج مواقع التواصل الاجتماعي بكم كبير من مقاطع الفيديو التي يرقص فيها مسلحون على جثث الضحايا، مرددين أهازيج طائفية أو ذات أبعاد جهوية وعشائرية مختلفة، ومستدعين ثارات تاريخية لا يراد لها أن تنتهي.
ويوم الأحد الماضي أعدمت جماعة الحوثي في اليمن تسعة يمنيين بتهمة التآمر لقتل الرئيس السابق للمجلس السياسي الأعلى للجماعة صالح الصماد الذي قضى في ضربة لطيران التحالف، وهي التهمة التي شككت في ثبوتها معظم المنظمات الحقوقية اليمنية والدولية التي أدانت الجريمة، نظراً لإدلاء المتهمين باعترافات تحت التعذيب الشديد الذي توفي بسببه أحدهم وهو في الحجز، فيما تعرض آخر (وهو طفل للشلل) من شدة التعذيب، قبل أن يتم إحضاره مشلولاً إلى ساحة الإعدام، ليعدم رمياً بالرصاص.
وبعد تنفيذ عملية الإعدام جمع عناصر الميليشيا الجثث التسع، وبعد أن هتفوا: «الموت لأمريكا…الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» بدأت حفلة رقص المسلحين على الجثث، في مشهد غرائزي يستدعي تاريخاً طويلاً من معاناة اليمنيين تحت حكم نظام الأئمة (أسلاف الحوثيين) الذين كانت تحظر مواكبهم الكرنفالية إلى ساحات الإعدام التي قضى بها آلاف اليمنيين تحت مقاصل «سيوف الإسلام» و«أئمة الهدى» إبان فترات متباعدة من حكم أئمة اليمن.
يقول عيسى بن لطف الله حفيد الإمام المطهر شرف الدين، في كتابه «روح الروح فيما جرى بعد المائة التاسعة من الفتن والفتوح» إن الإمام المطهر بن شرف الدين أمر بضرب عنق ألف أسير من أبناء منطقة رداع، وهو واقف على بغلته ينظر إلى الرؤوس المتساقطة، حتى غطى الدم حوافر بغلته، قبل أن يأمر بقية الأسرى بحمل الرؤوس المقطوعة، والتوجه بهم إلى صنعاء، ثم إلى صعدة، حيث ضربت أعناق باقي الأسرى، وكان رأس الأسير يسقط فوق رأس رفيقه الذي حمله مشياً على الأقدام من حدود محافظة البيضاء وسط البلاد إلى محافظة صعدة، في أقصى شمال اليمن، في مشهد كرنفالي لا شك أن الراقصين الجدد على الجثث قد استوحوه وهم يتلذذون بالرقص في حضرة الموت.
وبطبيعة الحال، فإن كتب التاريخ تحفل بالكثير من مثل تلك القصص المأساوية، ولكن الإشكالية ليست في أحداث التاريخ وحسب، وإنما في أن هذا الإمام الطاغية ـ على سبيل المثال ـ تُقدَّم سيرته كأحد نماذج البطولة في التاريخ اليمني الوسيط، وهذا يعني اختلال الموازين القيمية، الأمر الذي بموجبه يُقدم مجرمون طغاة في ثياب أبطال مثاليين، وهو ما يقدم تفسيراً لموجات «التوحش» في ممارسة الانتقام بالقتل والرقص على جثث الضحايا، في نزوع غرائزي يتغذى على تاريخ يعاد اليوم تدريسه في مناهج الحوثيين على أساس أنه جزء من الصفحات المشرقة لليمن، والتي يحاول «الخلف» أن يسيروا وفقاً لها على منهاج «السلف الطاهر من أهل بيت النبي» حسب الرؤية الأحادية لـ«السلف الطاهر» ولـ»أهل البيت».
وتعود جذور تلك التقاليد إلى فترات بعيدة قبل الإسلام، حيث كانت القبائل العربية تقيم الاحتفالات وتمارس الرقص وتحيي الليالي الطوال لإظهار القوة والشماتة وإرهاب الأعداء، حال تغلب قبيلة على أخرى في معارك العرب التي لكثرتها سميت بـ«أيام العرب» في إشارة إلى استمرارية الحروب كجزء من منظومة الحياة اليومية.
ولعل تلك الأهداف هي ما حدا بعمرو بن هشام (أبو جهل) للإصرار على المواجهة في معركة بدر مع النبي وأصحابه، رابطاً إصراراه بموروثه الثقافي، حين قال: «والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم عليها ثلاثاً، ننحر الجزور، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها».
وخلاصة القول هنا أن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات العشر الماضية اختلالات كثيرة في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن تلك التشوهات امتدت لتشمل المنظومة الأخلاقية والروحية، وهذا هو الخراب الأكبر، خراب نفس ترقص على جثة، تشفياً وانتقاماً في تجاوب مع مشاهد تاريخية كثيرة تتنافى مع القيم التي يبشر بها أولئك الراقصون على جثث ضحاياهم، غير مدركين عمق الجراح الغائرة التي ستحفرها تلك المشاهد، ليس في وجدان ذوي الضحايا وحسب، بل في الوجدان الجمعي الذي سيصعب عليه نسيان تلك المشاهد لفترات طويلة.
نقلا عن " القدس العربي"
أحدث الأخبار
stop