الخميس ، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١٠:١٠ صباحاً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - يعني إيه غربة يمني في اليمن!!
أمين الوائلي

يعني إيه غربة يمني في اليمن!!

أمين الوائلي
الاثنين ، ١٢ يوليو ٢٠٢١ الساعة ٠٢:٣٦ صباحاً

جاء الوقت الذي أستعيد وعد الأستاذ صبحي (هل كان اسمه صبحي؟)، مدرس اللغة العربية وموادا أخرى، قبل أربعين سنة، في الصفين الأول والثاني.

بطريقة ما ليست مفهومة لي ذكرتني صورتي هذه به. ليست النظارة ولا النظرة البعيدة من قريب وحدهما من استدعى من خزانة الذاكرة صورة وذكرى أول معلم مصري علمني ألف باء.. كتابة وقراءة.. وحفظت منه ومن المرة الأولى نشيد "هذه الدنيا الجميلة".

لكنني أستشعر زحمة سير، في أعلى الصدر، لمزيج من مشاعر حنين وغربة وحزن وولاء وامتنان وأبوة وبنوة وتعب وإيمان.. ولا أدري بعد كيف أصف لواعج أخرى أغص بها في الآن معا.. هنا.. وهناك على مسافة أربعة عقود.

لما سمعت له النشيد وقد حفظته فورا تهلل وجهه وكافأني بعلبة ألوان سائلة كانت هي أول هدية ومكافأة أحصل عليها في حياتي (وأظنها أيضا الأخيرة). وأستطيع الجزم أن ذلك الصبي الريفي الذي كنته ما زال يرسم ويلون بها أحلامه وأيامه وأعوامه إلى اليوم.. ولا أمنعه.

يروق لي هذا/ ذاك الصغير الذي يحمل أمه في شغاف قلبه وحقول قريته في عينيه وحرقة غميضة دفعها الأجداد إليه بالجينات تقاسمه الدم ونبض الشرايين.

تلك المرة بدا متعبا ولم يحلق لحيته الفوضوية غير المشذبة (ربما هي أكثر ما ذكرني به بالنسبة إلى الصورة) ولم يهتم بصرة الخبز الدافئ الذي هرولت به من بيتنا ومسافة جبلين لأصل باكرا قبل الطابور وأناول المعلمين الفطور فقد كان دوري وقمت على رأس أمي قبل ان تنهض العصافير ويؤذن الديك لتنهض وتعجن وتخبز.

ثم أنني حزنت لحزنه الذي أهمني، قلت له "هذه الدنيا جميلة يا أستاذ..؟ انت قلت لي".

حدق بي للحظات، مسح على رأسي مباركا، وأتذكر كيف قالها بصوت أقرب إلى النحيب: "لما تكبر هتعرف يعني إيه غربة.. ويعني إيه اليمن".

كبرت يا أستاذ، صرت بسنك يومها، وعرفت...

عرفت أكثر- يا استاذ- يعني إيه غربة يمني في اليمن..

أحدث الأخبار
stop