الأحد ، ٢٤ اكتوبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ٠١:٠٧ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - سام الغباري.. سيف حمير وترس كهلان
د. ثابت الأحمدي

سام الغباري.. سيف حمير وترس كهلان

د. ثابت الأحمدي
الجمعة ، ٠٢ يوليو ٢٠٢١ الساعة ٠٤:٠٣ صباحاً

لا أدري كيف تبادرت إلى ذهني وصية سبأ لابنيه: حمير وكهلان، كما في المرويات التاريخية، وأنا أنهي قراءة إحدى المقالات للعزيز سام الغباري، فكتبت له على الواتس: يبدو أنّ أباك من حمير وأمك من كهلان.! 

في كتاب وصايا الملوك، المنسوب لدعبل الخزاعي أن سبأ أوصى لابنه حمير ما يؤخذ باليمين، وهو السيف والقلم والسوط، وأوصى لكهلان ما يؤخذ بالشمال وهو العنان والترس والقوس. والأولى هي أدوات الهجوم، فيما الثانية أدوات الدفاع، وهي القوة التي تقوم عليها الدولة القوية في الأساس.. إلخ. 

وفي دولة الثقافة والأدب واللغة يبدو سام الغباري كجواد امرئ القيس "مكر مفر مقبل مدبر معًا.." شاهرَ سيفٍ وحاملَ ترس معًا. مدافعا ومهاجما في آن واحد. فيه ذهنية المتنبي الحكيم والشاعر حين كان يمدح الأمراء والملوك؛ لكنه كان يمدح نفسه أحيانا قبلهم في صورة من صور الاعتزاز بالذات والثقة بالنفس، كذلك سام: يدحض فكرة خصمه، وفي نفس اللحظة يستميت في تثبيت فكرته هو؛ كالساموراي في ميدان معركته الحربية، مقاتلا عنيدا باستبسال صلب، مدافعًا ومهاجمًا في آن واحد. باختصار القلم في يد سام الغباري هو سيف الحجاج أو لسان ابن حزم. 

على نحو نادر امتلك سام الغباري لغة تصويرية متميزة مع ثقافة واسعة، جعلت منه ذلك الكاتب المرموق الذي يصعب على القارئ مفارقته إذا ما شرع في قراءة السطر الأول من المقال. 

سام كاتب روائي يصطاد المعنى، ثم يُلبسه حلة بهية من جماليات اللغة ورونق الثقافة، حتى إنه قد ينظم بيتا شعريا بين ثنايا مقاله السياسي أو الاجتماعي بكل تلقائية، دون أن يعرف، من خلال تلك الصور والتحليقات السريالية التي تتأتى عرضا بلا تكلف، وهذا هو الإبداع الحقيقي هنا. يستدرك ويستطرد، ولكن بلا تكلف أو استعراض كما يفعل بعض الكتاب الذين يكتبون ليستعرضوا..! 

 يقبض ــ بقوة ــ على الفكرة الشاردة التي قد تبدو غير ملفتة لأول مرة، غائصًا في المعنى وظل المعنى، فيشبعها حتى يقول القارئ أحيانا: لقد كتب بقلمي أنا..! إنها حالة من التسامي "الفرويدي"، وهي نزعة نفسية قائمة على التمجد، أو التطلع لما هو أكمل..

قال الجاحظ: الألفاظ أوعية المعاني، وما أجمل أوعية سام التي يتأنق في عرضها، بفرادةٍ لا نظير لها عند كثير، حتى ليبدو نسيج وحده، وقد يأتي يوم من الأيام وشباب الجيل الجديد يتحدثون فيما بينهم عن مبدع بينهم من مدرسة الكاتب سام الغباري..

سام إلى جانب كونه ابن الثقافة، هو كذلك ابن السياسة في بيئة توصف "جيوبوليتكيا" بأنها من المدن المفتوحة التي تتلاقى فيها عدة مدن، وذمار بطبيعتها مدينة مفتوحة، لا مغلقة كما هو الشأن مع بعض المدن الأخرى. بيئة جدلية اجتماعيا وسياسيا، تتوارث ما سماه كارل يونج "اللاشعور الجمعي" من الأسلاف، "وراثة نفسية" صنعت شخصيته النفسية قبل شخصيته الجسمانية، وأتكلم هنا عن الجدل في شقه الإيجابي، لا السلبي، مع الإشارة إلى أن للمكان نفسه شخصيته المستقلة به. ولذا يبدع في مقالته السياسية التي تكتنز بالرمز والإيحاء والإشارة وأحيانا اللسعات الخفيفة التي لا تخلو من نكتة "الذماري" وذلك للإبقاء على حبل الود قائما مهما بلغت حدة الخلاف، بعيدا عن الحدية المطلقة في تعاطيه السياسي. مدح الرئيس الراحل علي عبدالله صالح كثيرا وانتقده أكثر. هاجم الإصلاح كثيرا وأشاد ببعض مواقفهم أكثر. يوالي المؤتمر ثم ينتقده، ووحده الحوثي من يتعاطى معه بحدية قطعية حتى الآن. لا بأس.. كل تعصب ممقوت، عدا التعصب للوطن. 

 دعوته مرة للاتجاه نحو الحقل الروائي، ومخاطبة الجيل القادم الذي سينتصر لقضيتنا الوطنية الكبرى، بدلا عن الاهتمام بالمقالة السياسية أو الاجتماعية، لسببين؛ الأول: لندرة الرواية في مجتمعنا في الوقت الحالي، وخاصة الرواية المبدعة شكلا ومضمونا. وهي ندرة ترجع في أصلها إلى غياب الروائي المبدع، أضف إلى ذلك أنها "ديوان المستقبل" إن صح التعبير، وخاصة في الأوساط الشبابية، والسبب الآخر: لامتلاكه القدرة أكثر من غيره في هذا المجال، مراهنا على صدق موقفه الوطني ورؤيته السياسية الثاقبة التي راكمتها خبرة السنوات السابقة.

أحدث الأخبار
stop