الاربعاء ، ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ ، آخر تحديث الساعة ١٢:١٦ صباحاً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - العراق.. إجابات لما يجري هناك
د. ايمن خالد

العراق.. إجابات لما يجري هناك

د. ايمن خالد
الخميس ، ٠٣ اكتوبر ٢٠١٩ الساعة ١١:٣٨ مساءً

ما يحصل في العراق اليوم هو حراك ثوري.

وهو موجة جديدة سبقتها موجات ثورية.

لكن المختلف اليوم هو الدرس السابق القريب الذي أجهض حراكهم السابق من قلب ساحة التحرير في قلب العاصمة بغداد.

ينطلق الصوت العراقي حاملا جملة من المطالب عجزت الحكومة العراقية عن تنفيذها بعد أن استفحل ذلك العجز وانطوى على تراكمات لا ينفع معها طول انتظار مع عجلة الفساد المسكوت عنه حتى وصل الى درجة العرف المقنن.

مطالب كثيرة، وإن تقدمها شعار محاربة الفساد على إطلاقه فذلك يفتح الباب أمام مطالب كثيرة لم يعد كاهل العراقي قادرا على حملها. فتفجرت من أعماقه ينابيع الغضب التي اتسمت بها مظاهرات بغداد والبصرة والعمارة وميسان والنجف والعديد من المحافظات الأخرى التي بدأت تتجاوب ساحاتها في وسط وجنوب العراق مع ساحة التحرير في بغداد.

مظاهرات واحتجاجات أغلقت الطريق أمام تساؤلات معتادة في بلد كالعراق. وقد تشاركت في تقرير مصيره معادلات كثيرة بعد احتلاله من قبل أمريكا عام 2003. وبدت فكرة من يمول هذا الحراك الثوري ضعيفة هذه المرة من خلال سياقات الأداء الثوري للشباب الذي جاء من مناطق عراقية كانت قد تأثرت بضغط الأحزاب الدينية الميليشياوية الحاكمة الآن.

هي هكذا نتائج احتلال البلدان وتسليمها للفراغ يعبث بها. مظاهرات اليوم أثبتت بما لا يقبل الشك بأن تكسر القيود لصالح عراقية هذا الشعب الذي يوصف كثيرا بأنه صعب المراس تاريخيا.

ترابط فكرة الدافع المحرك:

ما يفسر حسن أداء هذا الحراك الثوري هو ترابط فكرة الدافع المحرك له. من محاربة الفساد الى البند الثاني المتمثل بالمطالبة بتوفير الوظائف الحكومية.

فقد أوغلت حكومة بغداد بتجاهل مستقبل الأجيال من خريجي الجامعات وتركتهم في مواجهة حياة تتقاذفها تيارات التيه والضياع في الوقت الذي يرى العراقي كيف تهدر أمواله ومقدراته على يد فئة أو فئات سياسية محدودة محمية بموجب قانون قوة الأحزاب المستبدة النافذة.

فكان المطلب الثالث. وهو منع تدخل الأحزاب والكتل السياسية في العمل الحكومي.

فلطالما عانى العراقيون من إشكالية حصر التعيينات في الوظائف الحكومية على شرط الانتماء الى الأحزاب الدينية المهيمنة على السلطة. حتى أصبح توقيع الحزب على استمارة التعيين شرطا للقبول.

الأمر الذي حرم الكثيرين جدا من فرص أعمال الوظائف الحكومية. ليطلّ الفساد من هذه النافذة الجديدة حتى وصل الأمر بأن تصبح الوظيفة الحكومية لمن هو قادر على شرائها من قبل المتنفذين بقوة السلطة الحاكمة. ليصبح الحديث مقبولا ومشاعا بأن سعر الوظيفة الفلانية يتطلب دفع المبلغ الذي يحدده الأقوياء.

شراء الوظائف الحكومية بالنسبة للأفراد جاء كمحصلة طبيعية لسوق شراء وبيع الوزارات والمناصب العليا في الدولة من قبل الكتل السياسية بما تمتلكه من أموال تم سرقتها من ميزانية الدولة ومواردها وعوائدها النفطية والهيمنة على العقود والصفقات التجارية مع الخارج في أكبر عمليات فساد وغسيل أموال يشهدها بلد استبيحت مؤسساته ومقدراته تحت فكرة إدراج المناصب الحكومية ضمن الاستحقاقات السياسية.

زوايا أخرى في تفسير الحدث العراقي ومآلات:

البعض ينظر الى التوقيت الذي انطلقت فيه المظاهرات العراقية على أنه مرتبط بجملة أحداث داخلية وإقليمية ودولية. وفي هذا الباب يمكن النظر إلى أن السياسة الداخلية للعراق تعاني كثيرا من الإرباك بسبب ضعف الأداء الناتج عن البنية السياسية العراقية التي مازالت تعاني الفشل. حيث أنها غير قادرة على الخروج من المحاصصة الطائفية بالرغم من التظاهر بعكس ذلك فما زال الأمر شائكا بين الرئاسات الثلاث وحدود صلاحيات كل واحدة منها. شراكة لا تخرج عن دائرة المجاملات الملغومة بين ثلاثي الشيعة والسنة والأكراد.

 تبدو مظاهرات اليوم خطوة لإحراج المنظومة السياسية الحاكمة بأن تغييرا ممكنا في شكل النظام السياسي القائم. ذلك الأمر الذي يقلق الأحزاب الطائفية الحاكمة التي تعودت على تطييف الشعب والضغط عليه لتقبل هذه الفكرة تحت تأثير أدوات الضغط والتضليل باستخدام المرجعيات الدينية والطائفية. هذا ما يفسر الخوف من اختراق الحراك الثوري من قبل الأحزاب الحاكمة وإعادته الى المربع الأول أو حرفه من أهدافه الحقيقية الى الأهداف التي تريدها الأحزاب الحاكمة. لكن قراءة لأحداث الشارع العراقي تقول بصعوبة ذلك مع تنامي الوعي الجمعي العراقي بأن أسباب انتكاسته وعذاباته إنما جاءت من الأحزاب المتخلفة فكريا في التربع على مراكز إدارة الدولة.

هناك من يرى أيضا أن حكومة بغداد عجزت عن النأي بنفسها عن معارك ومواقف إقليمية ودولية كان يجب أن تكون أكثر بعدا من الانغماس في متاهاتها. فأصبحت ذراعا طيعة وسط الصراع الإيراني الأمريكي غير الواضح المعالم.

ذلك الأمر الذي أرهق العراقيين وبدد قدرتهم في البناء الداخلي والانشغال بالمشاريع الإقليمية. فبدل مؤسسة عسكرية ومنظومة أمنية تمثل الجميع، راحت الأحزاب السياسية الممثلة للحكومة العراقية إلى خيار تبني الميليشيات والحشود الناطقة بأجندات خارجية لتفسح المجال مرة أخرى لأن يكون أبناء العراق هدفا مكشوفا لآلة الموت في حروب إقليمية ودولية لا مصلحة للعراق فيها.

حراك ثوري

بالمقابل. يرى البعض أن الساحة العراقية مقدر لها ألا تهدأ حتى يتم حسم الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة. والمظاهرات ما هي إلا شكل وذريعة لإعادة إنتاج الفوضى التي تساعد على إطالة فترة ومساحة الاستنزاف بين إيران وأمريكا وصولا الى عقدة الحالة السورية والتركية ووجود الطرف الروسي. والقائلون بهذا الرأي يستندون الى فكرة صعوبة الحراك الثوري العراقي على أن يجد نجاحا حقيقيا على الأرض في ظل مجموع هذه المعادلات الصعبة. وهنا يخشى الكثيرون من حرف هذا الحراك الثوري واستغلاله لخلق حجة جديدة في حرب داخلية مجهولة المعالم كما حصل في عام 2014 عندما انطلقت المظاهرات الشعبية في العراق مطالبة بالإصلاح ودخلت الى مكاتب الحكومة والرئاسة وكادت أن تحقق مطالبها في التغيير ليتفاجأ الجميع بشبح ما يسمى بالإرهاب والدخول في أتون الظلام وإعادة إنتاج الحرب من جديد.

ما يحصل في العراق اليوم هو حراك ثوري. وهو موجة جديدة سبقتها موجات ثورية. لكن المختلف اليوم هو الدرس السابق القريب الذي أجهض حراكهم السابق في عامي 2013 و2014. فهل يستلهم العراقيون ذلك الدرس الذي أفشل محاولاتهم السابقة؟

يبدو الأمر ممكنا من خلال التعاطف الشعبي المتقارب بين فئات الشعب العراقي متزامنا مع الفشل الذريع للحكومة العراقية التي لم تستطع التخلص من تبعيتها.