السبت ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - بلال الطيب: طموحات نشوانية
بلال الطيب

بلال الطيب: طموحات نشوانية

بلال الطيب
الاثنين ، ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ الساعة ٠٢:٣١ صباحاً
  يُعد الطاغية عبدالله بن حمزة، أحد المؤسسين الأوائل لنظرية «الإمامة الزيدية» في اليمن، ما زالت كُتبه ومُكاتباته وأشعاره الأكثر أثراً وآثاراً في الفِكرِ «الزيدي»، ومَا زالت سِيرته الأكثر ظلماً وعدواناً في تاريخ الإمامة المُظلم، هو مُلهم الأئمة ومُنظرهم الأبرز، فهذا الإمام أحمد يحيى حميد الدين، في إحدى حواراته الصحفية يعتبره قدوته، ويشبه نفسه به، وهذا طاغية العصر عبدالملك الحوثي، يقتفي أثره خطوة خطوة، ويقلده فكراً وسلوكاً، والمتأمل لتصرفات وخطابات الأخير يُدرك ذلك جيداً. وفي المقابل، يبقى القاضي نشوان بن سعيد الحميري الاسم الأكثر حضوراً في قائمةِ الأحرار الوطنيين، الذين عملوا على إذكاء مشاعر العزة والكرامة في قلوب اليمنيين، رغم أنَّه «زيدي» المذهب؛ تمرَّد على الإمامة ومُسلمتها الإقصائية «البطنين»، وجعلها «رئاسة عامة مشاعة بين القادرين الأمناء من المسلمين»، وقال في ذلك: إن أولى الناس بالأمر الذي هو أتقى الناس والمؤتمن أبيضُ الجلدةِ أو أسودها أنفهُ مُخرومة والأذن   وقال أيضاً: حَصَرَ الإِمامةَ في قُريشٍ مَعْشَرٌ هُمْ باليَهُودِ أحَقُّ بالإِلْحاقِ جَهْلًا كَما حَصَرَ اليَهودُ ضَلالةً أمَر النُّبُوَّة في بَنِي إِسْحاقِ استغل نشوان انتسابه لأحد أقيال «حمير»، وأعلن نفسه ملكاً، إلا أن القبائل الشمالية خذلته، وانتصرت لـ «المُتوكل» أحمد بن سليمان، فما كان منه إلا أن غادر بلدته حوث، وتوجه إلى مأرب وبيحان، وقيل أن أهل تلك البلاد ناصروه، ونصبوه لبعض الوقت مَلكاً عليهم. كانت وفاة نشوان بالتزامن مع تجاوز عبدالله بن حمزة مرحلة الطفولة «24 ذي الحجة 573هـ ‍/ 13يونيو 1178م»، أزعجت الطموحات النشوانية الأخير، خاصة بعد أن صار إماماً، فأباح قتل أي يمني غير فاطمي يتطلع للرئاسة والحكم، مَنعاً لظهور نشوان جديد. وروي عنه قوله: «أن الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يخلق آدم وما يزال خلبة بين يديه، أخذ قبضة من نوره وأدخلها في آدم؛ فكانوا الخمسة أهل الكساء»، وقوله: «نحن أهل التحريم، والتحليل، والتنزيل، والتأويل.. فلا تعدلوا رحمكم الله عن منهاجنا، ولا تسلكوا غير فجاجنا، فإن الفتنة بنا مطرودة، والرحمة إلينا مردودة..»، وقوله: «ولو أن محمد صلى الله عليه وسلم خلف بهيمة من البهائم، لكان على الأمة تشريفها وتمييزها على سائر البهائم». المُفارقة العجيبة، أنَّ القاضي محمد بن نشوان الحميري كان أحد رجالات «ابن حمزة» الفاعلين، تولى له بلاد «خولان الشام»، وتصرف وأخوته في واجباتها، كما أنَّ أخاه علياً ألف كتاباً من عدة أجزاء في سيرة ذات الإمام، وبالغ في مدحه بعدة قصائد، جاء في إحداها: إذا كنت تقبل فوق الوشاة وأنت الحليم وأنت الغفور وأنت الرؤوف وأنت العطوف وأنت اللطيف وأنت الخبير فمن ذا سواك يفيد الحجا ومن بصواب ورشد يشير لم يدم ذلك الود طويلاً، عزل محمد بن نشوان نفسه، وأعلن خروجه عن طاعة «ابن حمزة»، وذلك بعد ست سنوات من إمامة الأخير «599هـ»، وأنشأ رسالة أسماها: «الإيضاح إلى الأخوة النصاح»، عدد فيها كثيرا من المآخذ التي أدت إلى خروجه، والتي كان أهمها عدم بلوغ ذات الإمام رتبة الاجتهاد، وتماديه في نهب الأموال. وكان «ابن حمزة» قد قام قبل ذلك بزيادة الأعشار على أهل «الظاهر»؛ بحجة أنهم لم يخرجوا معه للجهاد، وقام بسن الضرائب والقبالات على رعاياه، وهو تصرف لم يقم به من سبقه من الأئمة، حسب إفادة صاحب «أنباء الزمن»، كما أنَّه تعامل مع المناطق التي أخذها من «الأيوبيين» كأراضٍ خراجية، بدليل قوله: «إنا أخذنا من البلاد التي غلبنا الغز أضعاف ما كانوا يأخذون منها». رد «ابن حمزة» على «ابن نشوان» برسالة سماها: «الإيضاح بعجمة الإفصاح»، ركز فيها على دحض نظرية نشوان الحميري في الإمامة، وقام في صعدة بالناس خطيباً، مُذكراً إياهم بما كان من خروج الأب، مُتهماً الابن بسب رسول الله «ص»، مُكفراً إياه، مُبيحاً في ذات الوقت دمه وماله. تعرض «ابن نشوان» بسبب ذلك التحريض لمحاولة اغتيال، ليعتكف بعد نجاته في منزله بـ «خولان الشام»، انضم إليه أخوته، فيما انقسم سكان ذات القبيلة بينه وبين الإمام «الحمزي»، وقد ذكر بعض المؤرخين أن سلطات الأخير انحسرت في صعدة وضواحيها؛ بفعل ذلك الخلاف؛ وبفعل تمرد بعض الأمراء «الهادويين». بعث «ابن حمزة» لقبائل «خولان الشام» بعدة رسائل، حثهم من خلالها على مولاته، وخاطبهم في إحداها قائلاً: «وحاشا لكم أن ترضوا بسب أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وعليهم، أو تكونوا فئة لمن سبهم وآذاهم، فتشركوهم في بلواهم، فلا وروحي محمد وعلي سلام الله عليهما، وعلى آلهما، لقد جاءنا منهم ـ يقصد بني نشوان ـ مالم نكن نظن أن مُسلماً ممن اعتقد إمامتنا، أو توقف في أمرنا، أو نابذنا بالحرب يُقْدم عليه». كان «ابن نشوان» أكثر أخوته شبها بأبيه، شاعراً مُفوها، مؤلفا غزيرا، صاحب حجة دامغة، جريئاً في قول الحق، تعامل مع «ابن حمزة» وعشيرته كمُحتلين، وطلب منهم صراحةً الرحيل من أرضه، وخاطبهم في إحدى أشعاره قائلاً: بني حمزة عودوا إلى أرض جدكم وميلوا سراعاً ناهضين إلى الحقل فقد طال ما زاحمتمونا بأرضنا وفعلتم ما تنتهون من الفعل دعوا الحقل إنَّ الحقل سبق لجدنا حواه قديماً بالرديني وبالنصل وفي المقابل، كان «ابن حمزة» مُغالياً في عنصريته، عمل على تكريس التعالي السلالي بين أبناء عشيرته، أوهمهم أنهم الأفضل، وما دونهم عبيد، واجبٌ مخالفتهم، وذكر «كاتب سيرته» أنَّه أمرهم بحلق شعورهم؛ لأنهم ـ حد وصفه ـ سلكوا مسلك العامة في تطويله، وبلغ من سخريته أن خاطب اليمنيين قائلاً: «وارضوا بنا أئمة، نرضكم لنا تبعاً»، وزاد على ذلك مُستهجناً: وهل تمت لكم أبداً صلاة إذا ما أنتم لم تذكرونا وهل تجب الصلاة على أبيكم كما تجب الصلاة على أبينا كما طالبهم بتقديس «العلويين» الأحياء منهم والأموات، وحين لم يقم أبناء قرية «الصف ـ نهم» ببناء مشهد على قبر أخيه إبراهيم ـ المقتول على يد «الأيوبيين» ـ ويتبركون به؛ أرسل إليهم برسالة طويلة يهدِّدهم فيها بنقل الجثمان عنهم «602هـ»؛ إذا لم يفعلوا ذلك. وهي رسالة طويلة، نقتطف منها: «بلغنا أنكم هاجرون لقبره، قالون لمصرعه، قد صغّرتم منه ما عظّم الله سبحانه جهلاً، وجهلتم ما علم الصالحون حيرة وشكاً، فهلا استشفيتم بتراب مصرعه من الأدواء، وسألتم بتربة مضجعه رفع الأسواء، واستمطرتم ببركة قبره من رحمة ربكم طوالع الأنواء، وعمَّرتم على قبره مشهداً، وجعلتموه للاستغفار مثابة ومقصداً، ونذرتم له النذر تقرباً، وزرتموه تودداً إلى الله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وإلينا تحبُّباً». وحين لم يلتزموا؛ أرسل إليهم: «ألا فاعلموا بعد الذي بلغنا عنكم، أنا قد قَلَيْنا له جواركم، ورغبنا به عن داركم، وعزمنا بعد الخيرة لله سبحانه وتعالى على نقله من أوطانكم، إلى من يعرف حقه، ويتيقن فضله وسبقه»، وبالفعل نقل الجثمان إلى منطقة «الزاهر» في الجوف. كما قام بكتابه أرجوزة طويلة تؤكد حقه وأسرته في حكم اليمنيين، واستعبادهم، شبههم فيها بـ «الذنب» التابع لـ «الرأس»، الذي لا يمثله إلا هو وعشيرته، وقال في ذلك: صرنا بحكم الواحد المنان نملك أعناق ذوي الإيمان ومن عصانا كان في النيران بين يدي فرعون أو هامان إن بني أحمد سادات الأمم بذا لهم رب السماوات حكم من أنكر الفضل لأذنيه الصمم من عنده الدر سواء والحمم نقول هذا إن شكا وإن عتب لا يستوي الرأس لدينا والذنب وزاد من انتقاصه، قائلاً: يا قوم ليس الدُّر قدراً كالبعر ولا النضاري لا يرزى كالحجر كلا ولا الجوهر قدراً كالمدر فحاذروا من قولكم مس سقر كما أنَّه ومن خلال تلك الأرجوزة الطويلة، عمل على دحض الطموحات النشوانية، وتهديد كل من يتجرأ على الدعوة إليها، أو القول بها، بقطع لسانه، وتيتيم ابنائه، قائلاً: ما قولكم في مؤمنٍ صوام موحد مجتهد قوام وماله أصل إلى آل الحسن ولا إلى آل الحسين المؤتمن بل هو من أرفع بيت في اليمن قد استوى السر لديه والعلن ثم انبرى يدعو إلى الإمامة لنفسه المؤمنة القوامة فقلت: مهلاً يا أخا الزهادة إنا أخذنا عن رواة سادة بأنهم للمسلمين قادة وحبهم من أفضل العبادة أما الذي عند جدودي فيه فيقطعون لسنه من فيه ويؤتمون ضحوة بنيه إذ صار حق الغير يدعيه كان «ابن حمزة» شديد التعصب لمذهبه، مُكفراً لما دونه من مذاهب، ويؤكد ذلك قوله: «إننا نهاب نُصوص الهادي كما نهاب نُصوص القرآن»، وهو رغم ذلك؛ انتقد الشيعة «الاثنى عشرية» في كتابه «العقد الثمين» بمئات الصفحات، وفنّد أساطيرهم، وسخر منهم، وناداهم بأصحاب «النص الجلي»، وربطهم بعبد الله بن سبأ، واللافت في الأمر، أنَّه وفي ذات الكتاب اعترف بعدم وجود دليل صريح من كتاب الله، يؤكد انحصار الحكم في «العلويين». والمفارقة العجيبة، أنَّه اتفق مع «الاثني عشرية» في تكفير أهل السنة، الذين يطلق عليهم «الجبرية، والمشبهة»، واتفق معهم أيضاً في ترك روايات الأحاديث النبوية، بحجة أن رواتها ليسوا من «العلويين»، وحين عاب العلامة الشافعي عبدالرحمن بن أبي القبائل المذهب «الزيدي»؛ لضعفه في الأخذ بالأحاديث النبوية، رد عليه «ابن حمزة» في كتابه «المجموع المنصوري» بالقول: كم بيـن قولي عن أبي عـن جده وأبي أبي فهـو النبي الهادي وفتى يقـول: حكى لنا أشياخنا ما ذلك الإسنـاد من إسنادي والأسوأ من ذلك، أنه كان جريئاً في استباحة دماء وأموال مُخالفيه، بدليل قوله: «وإن البغي بمعصية إمام الحق يحل سفك الدم، واستباحة المال، وهدم الديار على مذهبنا ومذهب آبائنا من أهل البيت عليهم السلام»، وما جرائمه في حق جماعة «المُطرّفية» إلا مثال بشع لمنهجه الإجرامي ذاك.
أحدث الأخبار
stop