السبت ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - بلال الطيب: الخروج من العُتمة
بلال الطيب

بلال الطيب: الخروج من العُتمة

بلال الطيب
الاربعاء ، ١٤ نوفمبر ٢٠١٨ الساعة ٠٤:٥٨ مساءً
        بَعـد عمليـاتٍ طـويلة وقاسية من الاستـلاب العقـائـدي والسيـاسي، والتغاضي النخبوي الغيـر مُبـرر؛ وصلت اليمن إلى ما وصلت إليه، نَحـنُ لا سوانا أحـوج ما نكون لمعرفة أنفسنا مَعـرفـة صحيحة وشاملة، قائمة على التشخيص السليم، والبَحث في الجُـذور التاريخية لكل ظاهرة، والتمرد على كل ما هو سلبي، لا الرضوخ لذلك الشعور الضعيف، الذي يرى أن لا فائدة من المُحاولة، وأننا هكذا خُلقـنا.   التاريخ - كما يقول «ابن خلدون»- امتداده للحاضر ثم المستقبل، ومن لم يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يبقى ـ حد توصيف «غوته» ـ في العتمة، وكما أنَّ فهم الجذور التاريخية لأي ظاهرة أمر مُهم، فإنَّ عدمَ تجاوزها أمرٌ كارثي؛ بل يُشبه الدوران في حلقة مُفرغة، كما أن الاهتمام بالسياسة فكراً وعملاً، يقتضي ـ كما قال «هيكل» ـ قراءة التاريخ أولاً؛ لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول أعمارهم.   ولا أنسى هنا أن أذكر أيضاً بمقولة الفيلسوف الألماني «ماركس»، بـ «أنَّ التاريخَ يعيدُ نفسَه عند الأمم المُتخلفة؛ أما الأمم الواعية فهي تدرس ماضيها جيداً، وتعمل على عدم تكرار أخطائه».   وفي المقابل، يقول القائل: «نحن شعب مسكين، ينسى بسرعة، ويَغْفر حتى لمن أساؤوا إليه»، تلك الميزة التي نتغنى بها، أو «الذاكرة الذُبابية» التي نتباهى بها؛ تبقى مصيبتنا الأزلية، وبها وبسببها ستبقى أخطاء من سبقونا تعيد نفسها، ولن نخرج من هذه المتاهة المُوحشة، إلا بذاكرة حية، تغفر ولا تنسى.   عَـلى مَـدى التاريخ والآخـرون يتحكمون بِنا، من الحبشة، إلى فَـارس، إلى الحجـاز، إلى مَصر، إلى تركيا، تلك الخُماسية الدخيلة التي قُـدر لهـا أن تتـواجـد في ماضينا وحاضرنـا، إمـا كمُنقـذ، أو كـوصي يتحكم بمصائـرنا.   عِنـدمـا عَجـز الرومان عن ترويِضنـا منتصف القرن الرابع الميلادي، سَلمُونا للأحبـاش كفـَريسة مُنهكة، لينسحبوا بعد ثلاثة عقود وقد وضعوا لبنات ديانـتهم المسيحية في جنوب الجزيرة العربية، وبِتَهدم سد مأرب منتصف القرن الخامس الميلادي حلَّت لعنة «مزقناهم كل مُمَزق».   استولى الثوار المَسيحيـون على العاصمة الحمْيـرية «ظفار»، إلا أن الملك الحميري ذو نـواس الذي تَـهـوُّد نكاية بالأحباش وداعميهم، كان لهم بالمرصاد، طاردهم واقتحم معقلهم في نجران، وأرتكب محرقة الأخدود الذائعة الإجرام «523م»، أستنجد اليمني المسيحي دوس ذو ثعلبان بملك الروم، فأوكل الأخير إلى حلفائه الأحباش مهمة الإنقاذ.   أبتدأ الوجود الحبشي الثاني عام «525م»، ليـأتي بعد «72» عاماً الملك الحميري سيف بن ذي يزن ويطردهم  بمساعدة الفُرس، الذين رَغَـبهم بالاستحواذ على بلادنا كـغَـنِـيـمة، تاركـاً لهم حُكـم «اليمن الأعلى»، مُكتفياً بـ «اليمـن الأسفـل» سهل الانقياد، وحين تم قـتـله على يـَد ثـُلة من عساكرٍ له أحباش استبقاهم لخدمته، سيطر المنقذون الجـُدد بسهولة ويُسر على مـا تـبـقى من البـِلاد.   جـاء الاسـلام من الحجاز، فاستحوذ علينا تـارة بـرسالة وأخـرى بـالسيف، لنتلقف بعد ذاك كافة مذاهبه، وتناقضـات فقهائـه، ومن الحجاز أيضاً قَـدِم «الهادي» يحيى بن الحسين، ليلحق به آلاف المقاتلين، مُعظمهم من فارس، لتحـل الطامة الكبرى بانقياد سكان «اليمن الأعلى» لـمذهبه ودولته الدينية التي اختطفت المذهب «الزيدي»، وأفرغته من محتـواه، وحصرت الإمامة في كل من خرج من نسل «الحسن، والحسين»، شاهراً سيفه، عالماً بالكتاب والسنة، في مخالفة صريحة لما جاء به الإمام زيد نفسه.   أقـام «الأئمة الزيود» حُكمهم على جَماجم البَشر، وهيـاكل الشعارات الدينية الزائفة، غَـذى جُنـونـه شـوق عـارم للسُلطة والنفـوذ، ورغبـة جَامحة لاستعباد الناس، والتَحكم بمَصائرهم، وحين صـار وجودهم حقيقـة ثابتة، وأصل من أصـول الدين، عمدوا على محـو هوية اليمنيين، وطمس حضارتهم، وإثارة خلافاتهم، وتشويه قبائلهم، أنعشوا اسوأ ما فيها، وخلقوا لها المبررات العقائدية لجعل الفيد دين، والتسلط رجولة، أغـرقوا أبناءها في الجهـل والتوحش، جرعوهم المُعتقدات المسمـومة، ثم أطلقوهم على الفـريق الآخر كالذئـاب المسعورة.   رسخوا في أبناء القبائل التمايز الطبقي، والاستعلاء الفارغ، جعلوهم يحتقرون الأعمال الزراعية، والمِهن الحرفية، والأشغال التجارية، وأصبح الشخص الذي يُمارس التقطع، قبيلي لا تلحقه أي منقصة، فإذا ما أراد أن يأكل الخُبز الحلال، مُشتغلاً بأي مهنة، يُصبح نَاقصاً فاقـداً طُهره القبلي، وبالنفسية البدوية العنيفة، والعقلية الشيعية الحاقدة، تدفـق هـؤلاء صوب مناطق «اليمن الأسفل» و«تهامة»، قتلوا، ونهبوا، ودمروا، جهاداً في سبيل الله، وإعلاءً لراية الإمام.   تعمقت الفجوة، وتوسعت الهوة، لمُجتمعٍ هو بالأصل حافل بتناقضات صادمة، ومُتصارعة، طالما غضضنا الطرف عنها، لتُصبح مقولة «تفرق أيدي سبأ»، أسوأ حقيقة وأشنع مثال، وما الكارثة الحوثية إلا امتداد لذلك التاريخ الآثم، أطلت بارزة القسمات واضحة المعالم، برهنت لنا وبشدة أنَّ الخلاف لا حـدود له، وأنَّ القطيعـة لا نهايـة لها، وأنَّ التـوجـس من المُستقبـل له ألف سبب يبرره.   اللافت في الأمر، أن المنقذ الخارجي من أيوبيين، ورسوليين، ومماليك، وأتراك، تصدوا لـ «الأئمة الزيود» أكثر من مرة، دفاعاً عن «اليمن الأسفل» وسكانه، صحيح أن المصلحة كانت وما زالت القاسم المُشترك لتلك الخماسية الدَخِيلة، إلا أن أبناء البلد لهم نظرة مُتباينة ومُختلفة باختلاف مفهـوم الوطنية لـدى كل فَـريق، وإذا ما عـُدنا إلى مـوروثنا المُثقل بالدم والدموع، لتبدى لنا ذلك وبوضوح.   عَمِدَّ مؤرخو «اليمن الأسفل» مثلاً على وصم الأيوبيين ـ القادمين من مصرـ  ومن بعدهم الرسوليين والعثمانيين بأحسن الصفات، فهم المُنقذون وحماة الأرض، والعرض، والدين، وبصورة مُبالغ فيها أحياناً، كما فعل المؤرخ الموزعي في كتابه «الإحسان في دخول اليمن في ظل عدالة آل عثمان».   ذات الشعور طال المصريين الذين قدموا إلى اليمن في ستينيات القرن المنصرم، وناصروا الثورة السبتمبرية في مهدها، وكانوا أساس صمودها، والسعوديين الذين قدموا مؤخراً لإنقاذ اليمن من الوصايـة الفـارسيـة حد زعمهم، مع اختلاف بسيـط في الصيـاغة والتشبيـه، ولسان حال هؤلاء قديمهم والحديث، يُلخصه قول الشاعر عبدالله البردوني: وبرغمي يصبح الغازي أخي بعدما اضحى أخي اعدى الأعادي   وفي المقـابـل كانت نظرة مؤرخي «اليمن الأعلى» عكس ذلك تماماً، فهؤلاء الأجانب كـُفـار بغاة، واليمن كانت وما زالت مَقبـرة لكـل غازٍ ومُحتل، فيما تُهَم العَمَالة لإخوانهم في الأرض جاهزة ومُفصلة لتتنـاسب وحجم الصـراع الدائر، والأهم من ذلك تحفيز القبائل المُـواليـة على رص الصفوف، والاستعداد لقتل كـل غازٍ وعميل.   والمُفـارقة الصَادمـة أن «الهادي» يحيى بن الحسين الذي صارت لذريته وذرية من قـدمـوا معه مِيـزة وحقوق أكثر من سكـان البلد الأصليين، لم يكن من وجهة نظرهم مُحتـلاً؛ بل صـاحب حـق، وله ولذريته السيادة والمُلك، وما عليهم إلا الطَـاعة والإنصيـاع، أما إيران فهي حد وصفهم دولة ذات مشروع مناهض للمستكبرين، تناصر المظلومين على الأرض، وما داموا كذلك على مرَّ التاريخ، فلا ضِـيـر هنا إن نـاصـرتـهم.   عندما سئل المفكر الفرنسي «فولتير» عن متى بدأ الكهنوت، كان جوابه: «عندما التقى أكبر مُحتال بأكبر مُغفل»، فهل هناك أروع من هكذا توصيف لحال هؤلاء المغفلين؟!.   تاريخنا موصولٌ غير مقطـوع، وواقعنـا أكثـر غموضاً من مـاضينا، ومُسقبلنـا تـائـه بـلا مـلامح، عنـوان عَـريض لمعـانـاة لا تـنتـهي، مُمتـد كـامتـداد «مزقناهم كل مُمزق»، تلك اللعنة الأزلية التي طالت أبناء هذا البلد التعيس، ومن يقترب منه، وجعلتنا حديث كل لسان، وبنظرة فاحصة نجد أن من تحالفوا على اليمن بالأمس القريب، صاروا أعداء، ومن اختلفوا بسببه صاروا أصدقاء، ولولا ظُلم ذوي القُربى، واستقواء القَـوي على الضعيف، و«الأعلى» على «الأسفل»، وإشراك السمـاء في صراعات الأرض، ما أختلف وتَـدخـل هـــؤلاء.   نحن إذاً، وعلى مـدى التاريخ أعـداء أنفسنـا، ووطننـا، وديننـا، وحيـن صـاغ شـاعر اليمن الكبير عبد الله عبد الوهاب نعمان «الفضـول» النشيد الوطني الذي يحفظه أغلب اليمنيين، كان يـُدرك ذلك جيداً، وما قـوله: «وسيبقى نبض قلبي يمنيا» إلا دعـوة إلى الحب والتـأخي والوحدة، كقـلب رجـل واحـد، تتجسـد فيه روح الوطنيـة والانتماء، أما قـوله: «لن ترى الدنيـا على أرضي وصيـا» ففيه تمـرد على الماضي والحاضر، واستشراف للمستقبـل، ودعـوة إلى عـَـدم الاختلاف، واستجـلاب المُنـقـذين والأوصيـاء مَـرة أخـرى.
أحدث الأخبار
stop