السبت ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - ثابت الأحمدي: التوحيد اليماني
د. ثابت الأحمدي

ثابت الأحمدي: التوحيد اليماني

د. ثابت الأحمدي
الاربعاء ، ٢٩ أغسطس ٢٠١٨ الساعة ٠٧:١٢ مساءً
ورث قحطان بن هود في ــ القرن الثامن قبل الميلاد أو السابع كما يذكر بعض المؤرخين ــ دعوة التوحيد من أبيه؛ حيث تذكر المصادر التاريخية أن قحطان بن هود وصى بنيه قائلا: "إنكم لم تجهلوا ما نزل بعادٍ دون غيرهم حين عتوا على ربهم واتخذوا آلهة يعبدونها من دونه، وعصوا أمر نبيهم هود، وهو أبوكم الذي علمكم الهدى، وعرفكم سواء السبيل، وما بكم من نعمة فمن الله، وأوصيكم بذي الرحم خيرا، وإياكم والحسد فإنه داعية القطيعة فيما بينكم، وأخوكم يعرب أميني عليكم وخليفتي بينكم، فاسمعوا له وأطيعوا، واحفظوا وصيتي واعملوا بها، واثبتوا عليها تُرشدوا". انظر: تاريخ العرب قبل الإسلام، عبد الملك بن قريب "الأصمعي"، ص: 6. وتؤكد نصوص المسند أن اليمنيين كانوا موحدين "ذي سموي" و "الإله رحمن" من قبل أن تصل اليهودية والمسيحية إلى اليمن، بآلاف السنين، وله معبد في منطقة "السوأ" بالمعافر "الحُجرية". ويبدو أنهم اهتدوا للتوحيد من تلقاء أنفسهم، بعد أن مروا بالديانة الوثنية البدائية، فالديانة الكوكبية التي تُعتبر المرحلة الثانية من مراحل التدين التي مر بها الإنسان وقد تطور عقله وإدراكه أكثر، وصولا إلى التوحيد وتعظيم "إله السماء" الواحد الأحد، كمرحلة أخيرة توصل لها الإنسان، وقد قطع أشواطا من الشك، كما هو الشأن مع نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي ألّه القمر أولا فالشمس، وأخيرا آمن بالله عز وجل إلها واحدا لا شريك له. وقد وردت نصوص مسندية ورد فيها اسم الإله "ذي سموي" التي تعني "صاحب السماء" أو "ذو السماء" المتفرد في أمره ونهيه. والواقع أن الاسم "ذي سموي" كان قد عرفه اليمنيون القدماء واستعملوه بما يدل عليه من معنى "الوحدانية" في فترة متقدمة هي أبعد زمانا في قدمها من زمان ظهور الديانات السماوية التوحيدية، وهذا يؤيده إثباتا ما توافر لدينا واطلعنا عليه من النصوص النقشية، ومن ذلك: 1ــ ما عثر عليه في منطقة همدان من نقوش، تروي نصوصها أن أصحابها إنما راحوا من خلالها يتقربون إلى الإله "ذي سموي"، وكان تدوين هذه النصوص قد تزامن مع تدوين نصوص نذرية أخرى، وُهبت للإله "تألب ريام" الخاص بهمدان، وذلك في فترة لم تكن عقيدة التوحيد قد ظهرت بعد، أو انتشرت في الأصقاع المترامية الأخرى، أو أن ملامح فكرتها ــ على الأقل ــ لم تكن قد عُرفت في الآفاق البعيدة. 2ــ ذلك النقش المدون على لوحة برونزية صغيرة، عثر عليها في موضع "هجر بن حميد" الواقع نطاق دولة قتبان، ومن دراسة وتحليل هذه اللوحة من نص نقشي اتضح أنها كانت قد صنعت في حوالي القرن الأول الميلادي، أي قبل أن تظهر الديانات التوحيدية السماوية في اليمن بثلاثة قرون. انظر الفكر الديني عند قدماء اليمنيين، أسمهان الجرو ص: 146. وكشفت نصوص المسند في بعض المواقع الأثرية عن بعض أسماء الله الحسنى التي عرفها اليمنيون من قبل الأسماء، مثل "سميع" و "عليم"، وذلك في نقش توسل وتضرع، نصه: "بحق عثتر وهوبسن والمقه وعليم وسميع، وبحق ذات بعدان، وبحق شمس الملك تنوف". نفسه، 148. وانظر: نقوش مسندية وتعليقات، مطهر الإرياني، ص: 123 فما بعدها. كذلك وجد الاسم "حكيم/ حوكم" وهو من أسماء الله الحسنى. وجاء ذكر الإله "س م ع" في عدد من النقوش اليمنية القديمة من دون لقب، فيُنعتُ به أو متبوعا، ونظرا لخلو خط المسند من التشكيل فيمكن أن يُقرأ اسم هذا الإله "سَمْع، سَميع، سامع، سماع، ويعني: شهادة/ وثيقة. وفي الجعزية نفس المعنى؛ لذا فاسم الإله يعني الشاهد أو الشهيد المطلع على كل شيء، وهي مادة لغوية، تعرفها كل اللغات السامية، وعلى الأرجح أنه كان يُدعى سميع.. انظر: آلهة اليمن القديم الرئيسة ورموزها حتى القرن الرابع الميلادي، دراسة آثارية تاريخية "أطروحة دكتوراه" جامعة صنعاء، محمد سعد عبده حسن القحطاني، 1997م، ص: 50. كما توجد أسماء مقدسة مثل: لعزز/العزيز. حكمن/ الحكم، ورحمن/ الرحمان. وفي حضرموت رمز للإله بالاسم "سين" إله القمر، كما هو في أكاد وبابل وآشور وتشير الرموز إليه بهلال ونقطة فوقه، كما وجد في عدد من المباخر اليمنية القديمة طبقا للدكتور بافقيه في كتابه تاريخ اليمن القديم ص 204 واسمه وفق المتخصصين في اللغات السامية هو "ياسين" أنظر أنيس فريحه في كتابه دراسات في التاريخ ص88. وإليه أيضا أشار الدكتور سيد القمني في كتابه "الأسطورة والتراث". علما أن اليمنيين لا يزالون إلى اليوم يدعون لمن يحبون بلفظة: "ياسين عليك" أو العكس أحيانا: "عليك ياسين"، دون إدراك من الكثير أن "ياسين" رمز للإله القمر قديما. ويبدو ــ والله أعلم ــ أنه من معبودات الديانة الكوكبية الثانية. علما أن الأديان بشكل عام تتخللها بين الفترة والأخرى ظهور معتقدات ووثنيات شركية، ثم ما تلبث أن تُصحح وهكذا.. وما يميز قدماء اليمنيين على غيرهم هو انفراداهم بعبادة الإله "الرحمان" الذي لم يكن معروفا بهذا الاسم لدى عرب الشمال، ما يشهد بأن هذا الإله نابع من أفكار دينية ذات طابع توحيدي ما، يمنية المنشأ، فقد بدأت عبادة هذا الإله في اليمن القديم قبل الميلاد بقرون طويلة، واستمرت حتى نهاية عصر الحضارة اليمنية قبل بزوغ فجر الإسلام. ويبدو أن هذه الخصوصية اليمنية لكلمة "الرحمان/ الرحمن" قد ظلت عالقة في الأذهان إلى ظهور الإسلام، ولهذا جادل بعض المشركين الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب ذكره للرحمن، فأنزل الله عليهم في الرد: (قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أياما تدعو فله الأسماء الحسنى) ولقد ظل لكلمة الرحمن تمييز خاص في القرآن الكريم والمأثور الشريف، وهو أمر لا يخفى على المتضلعين في العلوم الإسلامية. انظر: نقوش مسندية وتعليقات، مطهر الإرياني، 417، وانظر أيضا، تطور الحياة الفكرية لليمنيين، عبدالرحمن السقاف ص: 210. وظلت بالرسم الحميري الذي يسقط حرف العلة من وسط الاسم حتى اليوم. وفي صحيح البخاري أن كفار قريش يوم الحديبية لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لعلي أكتب باسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. وقد نزلت هذه الآية ردا عليهم: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) سورة الرعد: 30، مع الإشارة إلى أن بعض الباحثين يذكر أن كلمة رحمن قد وجدت بعد تأثر اليمنيين باليهودية والمسيحية، وأنها وجدت أيضا في شمال الجزيرة العربية، وبها لقب "رحمن اليمامة" قبل الإسلام، كما ذُكرت كذلك في الشعر العربي. وذلك صحيح؛ لكنها لم تنقل إلى شمال الجزيرة العربية إلا في وقت متأخر، أي قبيل الإسلام، بفعل التأثر والتأثير بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها. فهي في الجنوب أقدم منها في الشمال. أخيرا يوجد كتاب اسمه التوحيد في تطوره التاريخي للدكتورة ثريا منقوش، لم يتسن لي العثور عليه، وأتمنى من القراء الكرام من تتوفر لديه نسخة ورقية أو إلكترونية موافاتي به. وقد قرأت عنه، وفيه الكثير من الفائدة. الدراسة مبحث ضمن كتاب: (المجد والألم.. ما ذا يعني انتمائي لليمن)؟! للكاتب.
أحدث الأخبار
stop