نور ناجي: ضنطاط

آخر تحديث : الجمعة 13 أبريل 2018 - 1:12 مساءً
نور ناجي: ضنطاط
غير معروف

ضنطاط ..

نحمل على أكتافنا تركة ثقيلة توارثناها جيل بعد جيل من آبائنا واجدادنا الاوائل، لا نعلم بأنها ما يثقل مسيرنا..

لا ينحصر ما تتوارثه الأجيال بألوان الأعين والجلود، الجينات التي لا تترك خلفها الأمراض الوراثية.. بل تمتد لتشمل تاريخ طويل من الحكايات والأساطير، قصائد الغزل العفيف، والآخر الماجن ، لا زلنا نردد اغانيهم بشجن أغلب الظن أنه خاص بهم، سلسلة طويلة من الانتصارات والهزائم، أخطاء فادحة وأخرى لا تحتاج للتصويب أو الشجب ..

لم أكن أتصور أن يمتد ذلك الميراث بأنهم جنوا علينا باثقال لحظات كسل يقيدهم أو ملل من وتيرة حياة فقدوا فيها الروح للابتكار…

لم انتبه لتلك النقطة حتى أمسكت بالهاتف هذا النهار اهنىء صديقتي باقتراب موعد زواجها، اختفى صوتها للحظات قبل أن تعود معتذرة :” عفوا، تقعمت ” !!..

ارتد اللفظ على عظام جمجمتي :” من أين أتيت كلمة ” تقعم” في لهجتنا !!، يبدو أنها من مشتقات قعى ، يقعي، تقعاي “.. الم تجد لهجتنا لفظ اخف وطأة منها .. بحثت عن أصل اللفظ في المعجم سريعاً فوجدت له معنى مغاير، مفردها قعوة وهي ” أصل الفخذ “، لا يدل الفخذ أبدا على التثاؤب، فمن أين جاء هذا اللفظ ؟!..

عدت لصديقتي التي اجابتني بكل ثقة :” يبدو أنه أحد أجدادنا الأولين كان كسولا لدرجة أنه جعل من اتساع فتحة فمه والصوت الصادر عنه لحظة التثاؤب إسم ومصطلح جديد، استعمله ابناؤه الذين يعتبرونه قدوة حسنة ومن بعدهم أبناء ابنائهم فتدحرج تثاؤبه تدريجيًا حتى وصل إلينا ..

أكملت صديقتي التي يبدو أن الحكمة بدأت تطرق بابها، وقد اقتربت من أن تصبح زوجة وتحمل مسؤولية بناء أسرة :” انظري معي لكلمة “ضنطاط “، وهي تدل على قطعة قماشية قد تستعمل لربط الأكياس، أو الاشولة أو مجرد قطعة قماشية تبقت من بقية تفصيل ثوب عادي!!، مثل هذه الكلمة لن تخرج إلا من فم والد كسول بعد إلحاح من صغيره لمعرفة أسم تلك القطعة القماشية، بلغ الكسل من ذلك الوالد بأنه لم يحاول سرد عبارة توضيحية لابنه، فاختصر الوقت والمجهود واخترع أول أحرف خطرت على باله ، لا يهم إن يكون لها أصل ” مجرد ضنطاط ” ..

” قعيت ” فمي لسهولة الحل الذي اوجدته صديقتي، وأحسست بغبائي الذي يجعلني امسك بالمعجم في الفترة الأخيرة نتيجة شغف غريب في معرفة أصل الكلمات، وطلبت المزيد من معلوماتها القيمة، لم تبخل علي وهي تكمل :” انظري لبعض أسماء المناطق اليمنية ” ظهر المُضحي بطنه، بني حشيش، عنس الدابة… “، وغيرها مما لا مجال لذكره هنا..

لا أجد لمثل هذه الأسماء مبرر لاطلاقها سوى أن عابر سأل مقيم في المنطقة عن اسم ذلك الجبل أو التل، لم يكن المسؤول بأعلم من السائل، لكن الجد البليغ لن يقبل أن يوصم بالجهل فأطلق في حينها أقرب ما كان يخطر في ذهنه في تلك اللحظة واستمرت المناطق بتلك الأسماء حتى يومنا ..

استمرت صديقتي الحكيمة بالحديث واخذتني بعيداً وهي تضيف :” تلاحظين يا نور في لهجة بعض المناطق اليمنية ثقل غريب في بعض الأحرف، أقرب إلى( اللدغة ) كما نطلق عليها، يستحيل أن تكون تلك اللدغة متوارثة وان هناك جين معين انتشر في أجيالها المتلاحقة، الم تسألني نفسك ما الذي جعل بعض حروف لهجتهم غريب حتى على يمني من منطقة اخرى؟!”، لم تترك لي المجال للرد بل أكملت :” يبدو ان الجد الأول الذي استوطن المكان وحيدا كان يعاني من صعوبة في النطق وصادف ان زوجته كانت بكماء، مما جعل من ابنائه يظنوا بأن ما يقول والدهم هو الصواب في النطق فاستمرت تلك اللدغة حتى يومنا هذا كلهجة مميزة للمنطقة ..

أصابتني الصدمة وانا أغلق الهاتف، أن تدرك متأخراً أن لهجتك نتاج لدغة أصابت جدك، شيء يجعل تشعر بأن خديعة ما وقعت عليك، جدنا الكسول الذي أبى إلا أن نحمل ثقل لسانه دون أن يصححه لنا…

هل جاء الوقت للبحث عن اخطاء أجدادنا وتصحيحها، أم أن علينا أن نكمل حملها حتى يأتي جيل أكثر نشاط منا، لا اخفيكم أني أشعر بثقل في أطرافي، وكسل لذيذ يجتاحني لدرجة اني لا أملك في هذه اللحظة القدرة على تحريك أصبع لاكمل ما أكتبه من استعباط وهبل !..

لقد ورثنا عن آبائنا الكثير من الكسل، والكسل هو أبو الاختراعات وأمها، لماذا أضني نفسي بمجهود أنا في غنى عنه، سيأتي أحد ما من أبنائنا يملك نشاط كافي يجعله يصحح اخطائنا وأخطاء من سبقنا…

نور

رابط المدونة على فيسبوك

رابط مختصر
2018-04-13 2018-04-13
أبابيل نت