السبت ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢١ ، آخر تحديث الساعة ١١:٤٨ مساءً بتوقيت صنعاء
الرئيسية - كتابات - المَقاطرة.. صُمود قلعة وثَوّرة فَقيِه
بلال الطيب

المَقاطرة.. صُمود قلعة وثَوّرة فَقيِه

بلال الطيب
الاثنين ، ٢٧ فبراير ٢٠١٧ الساعة ١٠:٥٧ صباحاً
كانوا «ألف» أسير، اقتيدوا صوب «المَركز المُدنس»، وبين أيديهم «ألف» رأس دامي، أجبروا على فصلها عن أجسادها، ولكي يغيض «المُتوكل» يحيى شرف الدين أعداءه «الطاهريين» أمر بإلحاقهم بزملائهم، بعد أن القى عليهم نظرة التشفي الأخيرة، من شرفة قصره العتيق، ولأن تاريخ الإجرام الإمامي موصولاً غير مقطوع، قام «المتوكل» يحيى حميد الدين بـتكرار ذات المشهد، بعد ثلاثة قرون من حدوثه، والضحايا هنا أبطال «المقاطرة» الأشاوس، الذين هزوا «عَـرشه» ذات ثورة. يقول عبد الله البردوني: كانت قلعة «المقاطرة» أسبق من حصن «شهارة» في مقاومة الاتراك, لأن قائد «شهارة» ـ يقصد الإمام يحيى ـ كان يتراوح بين المفاوضة والمقاومة، وكان يقبل الاحتلال إذا أتاح له المُحتل التولي على الزكوات والأوقاف بدون فرض زيادات في الضرائب السنوية المتفق عليها، أما قلعة «المقاطرة» بزعامة «آل علي سعد» فقد انتهجت النضال بلا مساومة. ويقال، أن سعيد باشا «القائد العثماني» أقسم أنه سيطأ بقدميه أرض القلعة، وحين عجز أنزلوا له تراباً منها، فداسه وبر يمينة، وكانت تلك الحادثة محط فخر واعتزاز أبناء المنطقة، حتى النساء كن يغنيين: تركي نزل رأس النقيل مسرول يشتي البلاد وان البلاد مدول خرج الأتراك من اليمن نهاية العام «1918» وهم يشيدون ببطولة الإمام يحيى، وشراسة مقاتليه، وقال عزت باشا أحد ولاتهم: «لو كان للدولة ألف رجل من هؤلاء لأخذنا أوربا بأسرها»، الأمر الذي أثار الرهبة في قلوب سكان «اليمن الأسفل» ومشايخهم. وبفشل مؤتمر «العماقي» بـ «الجَنَد»، بسبب تنازع المشايخ المجتمعين، واختلافهم على اختيار السيد أحمد علي باشا «المتوكل» رئيساً لهم، هرول البعض بقيادة نور الدين محمد حسان صوب صنعاء، مبايعين الإمام يحيى، وطالبين منه مدَّ سيطرته على المناطق الشافعية، في الوقت الذي كان فيه الأخير قد استعد لذلك، وهيأ عساكره للانقضاض على الأرض الخصبة، والإنسان المُسالم. مع حلول العام «1919» كَثف بعض مشايخ «اليمن الأسفل» الأحرار من استعداداتهم للمواجهة، وخططوا لاغتيال الإمام يحيى نفسه، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل، بفعل الجواسيس الذين رافقوا تحركاتهم خطوة خطوة. وفي «حبيش» تولى الشيخ محمد عايض العقاب مقاومة الزحف الإمامي في لحظاته الأولى، بمساندة بعض المشايخ، وقد تمكن من محاصرة القوات الإمامية لمدة ثلاثة أشهر في مركز «الناحية»، وبعد ثلاثة أشهر أخرى انتهت ثورة «العقاب»، وامتد توغل القوات الغازية جنوباً، لتسقط جميع مناطق «اليمن الأسفل»، باستثناء «المقاطرة» وقلعتها الحصينة. لكل حرب مبرراتها، وما دام أبناء «المقاطرة» كما يقول المؤرخ «المتوكلي» عبد الكريم مطهر، متهاونين في أمور الدين، ولم يبق لديهم منه ومن تعاليمه ما يعدون به من أهل الإسلام؛ أهملوا الصلاة وعقود الأنكحة، واصبحوا «إخوان نصارى» نتيجة قربهم من «عدن»، وذهابهم إليها، ومعاشرتهم للأجانب، وهي أسباب حد وصفه جعلت أمير الجيش الإمامي وأمير تعز علي الوزير يرسل إلى الإمام يحيى طالباً المدد والإذن بإصلاح تلك الجهة، وإدخالهم إلى حظيرة الطاعة، وتجديد ما أندرس من رسوم الدين وتعاليمه. حَشد «أمير تعز» علي الوزير لغزو «المقاطرة» آلاف العساكر، غالبيتهم من «أرحب» و«وداعة»، وبعض رعايا مشايخ اليمن الأسفل «المُتجملين» و«المخدوعين»، وخلاصة «الجولة الأولى»، والتي استمرت لعام كامل، اتركها هنا لـ «المؤرخ» مطهر رئيس تحرير صحيفة الإيمان «المتوكلية» فيما بعد، حيث قال: «بعد معارك ضارية بين المجاهدين وهذه القلة من البغاة أهل الفساد؛ يرزق الله أنصار الحق الظفر بالأعداء، ويغنمون منهم ما لا يحصى». ابتدأت بعد ذلك «جولة ثانية» من المقاومة، هي الأشهر والأعنف، صمد فيها المقاومون لعام آخر، بقيادة البطل شاهر قائد ردمان الأكحلي، وكبدوا الغزاة وأذنابهم مئات الضحايا، وقد اشتهر «شاهر» بمهارته بالقنص، أردى عبدالواسع النعمان قتيلاً، بعد أن أنذره بعدة طلقات تحذيرية في الجو، وقد تحالف الصريع مع الغزاة، مسانداً لصهره الخائن نور الدين حسان، فكان بحق وصمة عار، لحقت بـ «بيت النعمان»، ذات الحضور التاريخي المُشرف. يصف المؤرخ «مطهر» جانباً من تقدم الجيش الزيدي بقوله: «تقدم الجيش من جميع الجهات، على القلعة وحصن الثميدني، وكان من فيها من البغاة قد أجمعوا على عدم تسليمها، أو الموت دونها، ومن الغريب أن نساءهم كن أكثر جراءة منهم، وكان الجنود يسمعون منهن التوبيخ والتقريع، ما يحملهم على معاودة الجد في الحرب، ودوام الاصرار والامتناع». ومما تحفظه ذاكرة العوام أن نساء «المقاطرة» كن يرددن حينها: يا الليمتين كنت حصن عالي واليوم طريق للخيل والبغالي سقطت «قلعة المقاطرة» وما كان لها أن تسقط؛ لولا خيانة الشيخ نور الدين محمد حسان، الذي أعطى المواثيق لـ «المقاومين» بعدم التعرض لهم، في حال أعلنوا استسلامهم، وحين أرسلوا له بالموافقة، زارهم ومعه حوالي «250» شخصاً، معظمهم من «العدين»، اخفوا اسلحتهم تحت ملابسهم، وانقضوا على حراس «القلعة»، وجعلوا بوابتها الوحيدة مشرعة أمام جحافل الجيش الزيدي، يقول أحد شعراء «المقاطرة»: قل لابن حسان ذي خان المواثيق والعهود وسلم القلعة أمير الجيش يملأها زيود إرضاءً لأسياده، شارك الخائن «ابن حسان» الغزاة انتقامهم من مقاومي «المقاطرة»، قتلوا أغلبهم، ونهبوا ممتلكاتهم، حتى الملابس انتزعوها من فوق أجسادهم؛ وتركوهم عرايا، ولم يستثنوا حتى النساء، سلبوا حليهن ونقودهن، ولم يكتفوا بالقتل والتنكيل والسلب، بل عمدوا على نسف جميع منازل المواطنين، وهم يرددون: «يا حجرة اليهودي.. روحي ولا تعودي». يقول «مطهر»: «تقدم المجاهدون كل طائفة على جهتها، فرزقهم الله الظفر بالأعداء، وتمزيق شملهم في ذلك الفضاء، واستولوا على جميع الحصون، وكان شهداء أنصار الحق في هذه الواقعة قليلة بالنسبة لمن قتل من البغاة وأهل العناد، وبعد الرفع إلى الأمير بصفة ما جرى، صدر الأمر الشريف من مولانا الإمام بهدم بيوت شاهر، فألحقت بالعدم، وسويت بالهدم الى القرار». القى بعض الثوار أنفسهم من على مرتفع القلعة الشاهق، وفضلوا الموت على الأسر، وقد بلغ عدد قتلاهم حوالي «200» قتيل، والأسرى «250»، حسب احصائية «مطهر»، وقد أشار الأخير إلى أن عساكر الإمام حزوا رؤوس القتلى، وأجبروا الأسرى على حملها إلى صنعاء، في رحلة استمرت «30» يوماً. كما لم ينسى أن يصف تكبيرات العساكر حال رؤيتهم لجثث الضحايا، وقد شبعت من لحومهم النسور والعقبان، وينقل بعد ذلك قصيدة له، جاء مطلعها: ما للمقاطرة الفيحاء هاج بها موج الضلال فأبدت منك عصيانا حتى دعتك بجيش ما قصدت به إلا تشيد للإسلام أركانا نثرت في القبض هام المارقين لها دراً ومن علق الأوداج مرجانا لولا أن الانتفاضات توالت عليه في عديد مناطق، لاستمر الإمام يحيى في تقدمه جنوباً، ويلخص أحد مادحيه ذلك، بالقول: تقدم فقد ثلت عروش الجبابرة ودكت رواسي بغيهم فهي صاغرة وتاريخ حم ان إمامنا سيملك جبل شمسان بعد المقاطرة كغيرها من مَناطق «اليمن الأسفل»، دخلت «المقاطرة» نفق الأئمة المُظلم، وتَجرعت جبروت عمالهم، وعسف عساكرهم، وفي ذروة تلك المعاناة وصل الثائر الفقيه حميد الدين بن علي بن عبدالله المكابري إلى قريته «الخزفار»، عائداً من «غربة» أخذت «22» عاماً من عمره، توزعت بين عدن وجيبوتي والحبشة، إما عاملاً كـ «أسطى» يبني للناس مساكنهم، أو طالباً للعلم يبني للعقل مداركه، وقد تدرج في «الصوفية الشاذلية» حتى وصل إلى أعلى مراتبها. بدأ الفقيه «الخزفاري» فور وصوله بدوره الإصلاحي، وتوعية الناس بأمور دينهم ودنياهم، وابتنى لأجل ذلك مسجداً وزاوية «1926»، فيما منزله العامر ظل مفتوحاً لـ «الرعية» المتخاصمين، الذين ارتضوا به حكماً، كما عمل على استصلاح بعض الأراضي وتوزيعها على الرعايا المُعدمين، وحين وجد أن عُمال الإمام يأخذون على «القات» ضريبتين، تصدى لذلك بقوة، وحرض المزارعين على عدم الدَفع، وكتب إلى أمير تعز ملحاً بـ «أن ضريبة واحدة تكفي». «تحريض»؛ ولكنه أسعد الغزاة؛ وصارت الفرصة مواتية للقضاء على هذا الثائر وللأبد، دمروا المسجد والزاوية «1928»، بعد مواجهات محدودة أسفرت عن قتل ثلاثة مواطنين، وعسكري واحد، الزموا الضحايا بدفع الدية، واقتادوا الفقيه «الخزفار» صوب مدينة تعز، فيما فر أغلب أقربائه وتلامذته إلى عدن. وفي تعز وجه على الوزير بحبسه في «دار النصر» بـ «جبل صبر»، وفي السجن أثر في أصحابه الجدد، ليتسلل فكره ومنهجه مع خروجهم الواحد تلو الآخر، متجاوزاً «الجبل» إلى مناطق عديدة، ليخرج بعد خمس سنوات، وقد تضاعف محبيه، وتكاثر مريديه، وجابت شهرته الآفاق. «الطغاة» وعلى مـَدى التاريخ يَعملون على تَحسين صورهم، بتقريب الشخصيات الاعتبارية ذات الحضور الشعبي منهم، وتكليفهم بمناصب ظاهرها خدمة «الرعية» وباطنها اضفاء «الشرعية» على نظام حكمهم، وقد حاول الأئمة كسب الفقيه «حميد الدين» إلى صفهم، وعرضوا عليه بالمراسلة إدارة أوقاف «المقاطرة»، إلا أنه اقتدى بـ «أبي حنيفة النعمان» ورفض ذلك المنصب، بعد رفضهم شروطه، الأمر الذي أغضب الطغاة، فأطلقوا عليه لقب «حميد الديك». عاد «الحزفار» حينها لممارسة دوره الإصلاحي، ولكن بحذر شديد، فعيون الأئمة تترصد خطاه، أوعزوا لعملائهم اتهامه بتحريف الدين، وتهديد أمن المجتمع، ثم طاردوه من منطقة إلى أخرى، ليقع في الأخير بين أيديهم «1937»، بعد أن خسر أحد أفضل مُريديه، وكانت نهايته تماما كـنهايـة «أبي حنيفة». أسوأ لحظات عُمر الفقيه «الخزفار» آخرها، سُجلت فُصولها الكئيبة في دهاليز «القلعة» بصنعاء، السجن الذي نفاه الأئمة إليه، لاعتقادهم أن اختلاف المذهب، وبُعد المَوطن، سيجعل تأثيره محدود، ولن يتكرر ما حدث بتعز، بصعوبة استطاع الفقيه ترويض محيطه الاجتماعي الجديد، وبفطنته كسب ثقة الأغلبية، وكان من أبرز رفقته صالح المقالح والد الشاعر عبد العزيز المقالح، وسيطه عند الإمام يحيى فيما بعد، إلا أن ملك الموت كان أفتك وأسرع. ودع الفقيه حميد الدين الخزفار الناس والحياة «20ابريل1942»، عن «64» عاماً، وظلت سيرته الطيبة على ألسن محبيه، يلهجون بذكره وكراماته على الدوام، ويثنون على عطائه وتضحياته كيداً لـ «الطغاة» الحكام، الذين عملوا على تشويه سمعته، واحتقار نضاله، وختموا ذلك باتهامه بـ «الشيوعية»؛ واني لا أتخيل روحه ترفرف هناك في الجنة التي طالما تغنى بها في اشعاره: تزحزح يا فتى فالسعي غالي وشمر واجتهد هيا تلفلف تحرك وارتقي نحو المعالي وسابق سوف يندم من تخلف مقامات العلى فيها المجالي فيا سعد الذي فيها ترفرف جنان الوصل فلا قيل وقال سوى العشق الغزير هيا تحفحف خلال المئة عام التي سبقت ثورة «المقاطرة»، قامت في «اليمن الأسفل» عديد حركات صوفية، قارعت ظلم الأئمة، وتبنت خيار مقاومتهم، بدءاً بالفقيه «سعيد المذحجي» في إب، و«نعمان البناء» في الحجرية، وغيرهم كثيرون، وما ثورة الفقيه حميد الدين الخزفار إلا امتداداً لذلك. ومن مفارقات القَـدر، أن يحيى شرف الدين ـ مـَدخل حكايتنا الثورية ـ أصيب بـ «العَمى» بعد أن خلعه ولده المطهر عن الإمامة، ومشايخ «اليمن الأسفل» بشقيهم «المُتجمل» و«المَخدوع» اقتيدوا في نفس العام الذي سقطت به «قلعة المقاطرة» صوب صنعاء، وظلوا بالسجن حتى مات أكثرهم، وجيش الإمام «الحافي» مني بهزيمة نكراء من قبل القوات «السعودية»؛ وصار حاله «أسد علي وفي الحُروب نعامة»؛ وعلي الوزير، هو الآخر هرب إلى «السعودية» بعد أن عزله الإمام يحيى عن قيادة الجيش وإمارة تعز«1937»، ممهداً لولده السيف أحمد؛ أما الإمام يحيى حميد الدين فقد كانت نهايته قتيلاً على يد من ساهموا في تثبيت دعائم حكمه، «بيت الوزير». حقائق لافتة، لتاريخ مُشبع بـ «الظلم»، بـ «الخيانة»، بـ «الثورة»، «الطغاة» فيه يقتلون لكي يحكمون، ويستعبدون لكي يسودون، و«العبيد» يتجملون لكي يتسلقون، ويخونون لكي يتشفون، و«الاحرار» للإنسان ينتصرون، وللأوطان يُضحون، وفي الأخير يذهب «الطغاة» و«عبيدهم» إلى مزبلة التاريخ، و«الأحرار» وحدهم هم الخالدون.
أحدث الأخبار
stop