اليمنيون يموتون جوعًا تحت لافتاتٍ وشعاراتٍ دينية وطائفية بمليارات الريالات

آخر تحديث : الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 - 9:56 مساءً
اليمنيون يموتون جوعًا تحت لافتاتٍ وشعاراتٍ دينية وطائفية بمليارات الريالات

غطت الشعارات الطائفية معالم العاصمة اليمنية صنعاء، اليوم الثلاثاء بحلول الذكرى السنوية للمولد النبوي، وهي المناسبة التي تستغلها مليشيا الحوثي لخدمة أهدافها على الواقع الميداني والسياسي، وإثراء قادتها من التبرعات التي يجد المواطنون أنفسهم مضطرون لدفعها تحاشيًا لشرور المليشيا.

هذه المناسبة، ليست إلا واحدة من عشرات المناسبات الدينية والطائفية التي تحرص المليشيا على إحيائها والاحتفاء بها على مدار السنة، ويأتي على رأسها عيد الغدير، ويوم عاشوراء، ويوم مقتل الإمام علي بن أبي طالب، ورأس السنة الهجرية، والإسراء والمعراج، والشعبانية “ليلة النصف من شعبان”، وجمعة رجب، بالإضافة إلى إحياء ذكرى وفاة بعض الأئمة.

وتزامنًا مع هذه الاحتفالات التي يرصد الحوثيون لإحيائها مئات الملايين من الريالات، يعيش أن 80 في المئة من الناس في اليمن تحت خط الفقر، وفقًا لبيانات منظمة اليونسيف، فيما تفيد تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن حوالي 9 ملايين يمني يواجهون أشكال مختلفة من انعدام الأمن الغذائي وانقطاع الخدمات والرواتب وتهاوي أسعار الريال.

وتشير التقارير الواردة من العاصمة صنعاء، إلى الحوثيين خصصوا للاحتفال بذكرى المولد النبوي أكثر من 65 مليار ريال يمني لإقامة أكثر من 700 فعالية طائفية على مستوى المدن والمديريات والقرى والمؤسسات الحكومية والخاصة، وهو مبلغ يكفي، بحسب المصادر، لصرف راتب شهر على الأقل لنحو مليون موظف (الدولار يعادل 660 ريال في السوق السوداء).

ولم يكن غالبية اليمنيين، إلى قبل سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، قد عرفوا تلك الاحتفالات التي ظل بعضها محصورًا في حدود محافظة صعدة، ومع تعاظم سطوتها العسكرية والسياسية والإعلامية والشعبية وسيطرتها على معظم محافظات البلاد، شهد أبناء هذا الجيل في اليمن لأول مرة في حياتهم، الاحتفالات الدينية والطائفية، التي تحييها المليشيا على مدار السنة الهجرية.

ودفعت النفقات المهولة على هذه الفعاليات بسياسيين موالين للحوثيين إلى انتقادهم علنًا، إذ قال البرلماني أحمد سيف حاشد، إن المناسبات الدينية تعزل الحوثيين طائفيا بشكل مستمر، ليس لأنهم يمارسون حقهم، ولكن لأنهم يصرفون على هذا الحق من مال الشعب، ويريدون أن يفرضوا عليه رؤاهم ويكرسون عليه سلطة الغلبة.

وقال الناشط الموالي للجماعة عبد الوهاب الشرفي، إنه في الوقت الذي يموت الناس جوعا، ينفق الحوثيون الأموال على “الرنج”، و”الخرق”، واللوحات، والجمهرة، تارة باسم المولد، وتارة أخرى باسم الثورة، وثالثة باسم الشهداء، والصرخة والولاية وغيرها من المناسبات.

الاحتفال بتلك المناسبات يعد أولية بالنسبة للحوثيين، وإن كان على حساب المواطن الذي يعيش ظروفًا إنسانية هي الأصعب على وجه الأرض وفقًا لتقارير أممية، وهي فوق ذلك تستغل تلك المناسبات لجمع التبرعات المالية الضخمة من التجار ورجال الأعمال ومن عامة الناس.

وفي ذلك يقول القاضي عبد الوهاب قطران، إن “الحوثيين صرفوا نصف راتب، وأخذوا من جيوب الشعب عشرة مرتبات”، لافتا إلى أنهم رفعوا خمس جرع مرة واحدة بمادة الغاز المنزلي، من ثلاثة ألف إلى 15 ألف ريال. وأضاف “سيحتفلون بعيد ميلاد النبي من جيوبنا”.

ويرى الباحث اليمني الدكتور عبده البحش أن الحوثيين استطاعوا توظيف تلك المناسبات الدينية توظيفًا سياسيًا تشكلت فيه عوامل الحشد الشعبي والسياسي والديني والمذهبي والإعلامي والمالي والتنظيمي بما يخدم أهداف المليشيا على الواقع الميداني، واستعراض تلك الحشود لإيصال رسائل واضحة الى الأطراف السياسية اليمنية والإقليمية والدولية.

ولا يتوقف استغلال الحوثيين عند هذا الحد، فالمليشيا – وفقًا للبحش – تستغل هذه المناسبات للحديث عن المظلومية التاريخية، التي تعرض لها رموزهم الدينيين والتاريخيين، وفقا للمنطق الدعائي، الذي تروجه الوسائل الإعلامية التابعة لهم، ولاستعطاف الجماهير الشعبية اليمنية واستمالتهم الى جانبها لتعزيز شعبية الحركة في الشارع اليمني.

ولعل إحدى أبرز المزاعم التي تحاول المليشيات الحوثية فرضها كثقافة على اليمنيين هو الادعاء بضرورة الأخذ بثأر الحسين بن علي بن ابي طالب باعتبار ذلك هو الوضع الطبيعي الذي يجب الإيمان به والجهاد في سبيل تحقيقه في نظر هذه المليشيات.

وتحت مزاعم شعارات (يا لثارات الحسين) التي ترددها المذاهب الإمامية ومنها مليشيا الحوثي في احتفالات عاشوراء لربط الحاضر بصراعات ذلك الماضي، تسعى هذه المليشيات لترسيخ ثقافة الأخذ بالثأر لدم الحسين من كل من يعارضها مذهبياً أو سياسياً. ويتحول هذا المعارض لأفكار وثقافة وعنصرية هذه المليشيات أحد أتباع يزيد بن معاوية ومناصريه الذي يتوجب مواجهته وقتله أخذاً بثأر الحسين، وإعادة حق السلطة إلى مستحقيه وهم سلالة الحسين، وهم في اليمن ممثلون بعبدالملك الحوثي وأسرته ومن معهم من السلاليين.

وعلى ذات الشاكلة يمضي الحوثيون في استغلال يوم الغدير، فقد شملت البرامج التعبوية والتحشيدية التي نظمتها الجماعة لآخر احتفالية بتلك الذكرى، فعاليات استقطابية، بهدف جذب الشباب ودفعهم للالتحاق في صفوف الجماعة، من خلال مخاطبة عواطفهم بالتركيز عن مظالم آل البيت، والظلم الذي وقع على الإمام علي، وحقه في الحكم بناء على حادثة الغدير، ومن ثم ربط هذا كله، بكون زعيم الجماعة الحوثي من نسل آل البيت، وطاعته هو امتداد لطاعة الإمام علي، كما تشير أدبياتهم.

وهنا يؤكد الباحث البحش أن مليشيا الحوثي تحيي هذه الاحتفالات الدينية الدخيلة على المجتمع اليمني بطابعها الطائفي، لأهداف سياسية بحته، وليس لوجه الله، أو حبًا في النبي محمد (ص) وفاطمة وعلي والحسن والحسين وزيد، كما يصرحون ويعلنون. ويضيف “الحركة الحوثية تستثمر هذه المناسبات لترويج افكارها الدينية والعقائدية في أوساط الجماهير اليمنية لكي تصبح هذه الأفكار معتادة ومقبولة لدى مختلف الشرائح الاجتماعية اليمنية”.

ويقول السياسي والكاتب اليمني علي البخيتي إن “الغدير واحدة من المناسبات الدينية التي يعتبرها الحوثيون محطات لشحن المجتمع وتلغيمه بالمفاهيم الطائفية والقناعات الزائفة التي تكرس الفرقة، وتضع حواجز في المجتمع وتفرزه إلى موالين ومبغضين، وهو السلوك التاريخي الذي كان له دور في سفك دماء الآلاف على امتداد الحقب التاريخية الماضية”.

ومع كل مناسبة تنشط مؤسسات الحوثيين في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرتها في جمع التبرعات، وتحصد من المؤسسات في القطاع الحكومي والخاص والتجار والأهالي ملايين الريالات، وتحث المواطنين عبر مناشير ورقية على شراء قماش ذي لونين أخضر وأبيض، وخياطته كقصاصات مترابطة ونشرها بالقرب من المنازل، وتوزيع صور زعيمها وكبار قادتها فضلًا عن الشعارات الطائفية المتنوعة.

وفيما يجبر الأهالي والتجار على التبرع بالأموال للجان المكلفة بتنظيم الاحتفالات تخرج قيادات المليشيا بفائض من المال، فضلاً عن حضورها السياسي والاجتماعي الذي تعززه باستغلالها لوسائل الإعلام الحكومي المقروءة والمسموعة والمرئية التي تسيطر عليها منذ الانقلاب لتوجيه وتعبئة الناس والتلاعب بعواطفهم.

ومثل كل مناسبة، استبقت المليشيا الاحتفالية الرسمية بالمولد النبوي، بفعاليات متنوعة، استهدفت كل شرائح المجتمع، وتقول مصادر إعلامية إن مليشيا الحوثي وجّهت مديري إدارات المدارس الحكومية والخاصة بتضمين شعارات المولد النبوي التي ترددها الجماعة في برامج الإذاعات المدرسية، وخصصت فقرات مصبوغة بالطائفية، كما استهدفت النساء عبر ناشطات حوثيات، وعقال الحارات والشباب وانتهاءً بالموظفين والمسؤولين الحكوميين في مناطق سيطرة الجماعة.

وكالعادة، تنتهي كل فعالية من تلك الفعاليات، بدعوة توجهها المليشيا الحوثية لحشد المقاتلين ورفد الجبهات بالمال والرجال، متجاهلة معاناة المواطنين، وهي التي سخرت إمكاناتها المالية الضخمة للإنفاق على فعالياتها الطائفية ومهرجاناتها، في الوقت الذي يواجه الملايين من السكان خطر الموت جوعاً، كما تؤكد تقارير المنظمات الدولية.

رابط مختصر
2018-11-20
أبابيل نت