نصر عبدالرحمن ناجي: مكابرة جريح

آخر تحديث : الأحد 12 نوفمبر 2017 - 9:03 مساءً
نصر عبدالرحمن ناجي: مكابرة جريح
غير معروف
نصر عبدالرحمن ناجي

كانا في لحظة دفئ حميمي ومداعبة وضحك، كزوجين عاشقين في أيام لقائهما الأولى، لم تستمر تلك السعادة وقتا أطول فقد داهمهما نبأ استشهاد ابنهما الوحيد “جميل”، فعكر ذلك الخبر صفوهما، وقلب حياتهما رأسا على عقب.

وسط الدهشة التي وضعت حاجزا منيعا بينهما والواقع، صرخا في وجه جارهما “حسن” الذي أنبأهما بالخبر :إنك كاذب ..أليس كذلك؟

كيف لهما أن يؤمنا بصدق الخبر، وجميل المنسجم بصفاته وصورته مع اسمه حد التطابق؟ وكيف لهما استيعاب ذلك الأمر وجميل لم يطلب الموت قط، بل كان طالبا يختبر في ذلك الامتحان النهائي لمرحلة الثانوية العامة، التي كان ينتظر بشغف ليكملها ليدرس في كلية الإعلام أو الطب.

حاول جارهما “حسن” عبث تأكيد الخبر للأبويين والأسى يملأ قلبه، فلم يجدِ كل ذلك وازداد معه صراخهما: ابننا لم يمت.. كيف ذلك ولم يكن مريضا أو مقاتلا في إحدى جبهات القتال.. صحيح أنه أراد أن يقاتل من أجل الوطن لكنه كان بارا بنا وخضع لقولنا ولم يشارك في تلك المعارك التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

قاطعهما  “حسن”  صارخآ بصوت عالٍ: أعلم ذلك تماما.. إﻻ أن “جميل” ارتقى شهيدا مع زميل له إثر سقوط قذيفة عليهم اليوم، أطلقتها المليشيات الانقلابية، عندما كانا عائدين من مركز اختبارهم.

لم ينبس والدي ّ جميل ببنت شفة، وغادرا مسرعين متجهين صوب مستشفى المدينة، يكسر صمت المكان بكائهم ودعواتهم بأن يكون هناك ثمة خطأ ما.

ما إن وصلا و “حسن” وقفا أمام ثلاجة الموتى في المستشفى، فلم يجدوا سوى أجزاء متناثرة من بقايا إنسان، مُجمعة كشظايا برواز من زجاج سقط من على حائط البيت.

انهمك الأبوين في فحص كل جزء من تلك الجثة بدقة لمرات ومرات، كمحامٍ يفتش عن دليل ينفي صحة الادعاء، إﻻ أن كل جزء فحصوه كان عضوا من جسد “جميل”، فباءت محاولاتهما بالفشل، وأملهم بالانكسار.

لم تستوعب الأم الأمر، فسقطت مغشيآ عليها، فرافقها زوجها إلى غرفة العناية المركزة، والقلق يتغذى على ما تبقى منه.

حاول الطبيب إنقاذها بكل السبل إﻻ أنها اصرت على مرافقة ابنها إلى مثواه الأخير، وظل الأب سجين صمته ووحدته، طوال ثلاثة أيام ،صامتآ كمسمار دق في خشب، إلا أنه كان يُفكر كثيرا في الذنب الذي يرتكبه الأبرياء ليستحقوا أن يكونوا ضحايا إحدى القذائف.

وذات صباح بارد حمل الأب بندقيته، وتوجه إلى إحدى جبهات القتال في المدينة، يُكبر والدموع تملأ عينيه، ويصرخ معاهدا جميل وأمه أن ﻻ يعود من المعركة إﻻ وقد أفل المعتدي، واندحر الظلم عن مدينته؛ لينعم سكانها وكل ما فيها بالأمن والسلام، أو يلحق بهم.

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-11-12 2017-11-12
أبابيل نت