قراءة نقدية في قصيدة الحمى   للشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين  :       بقلم : أ / خالد عبد الله الخامري

آخر تحديث : الأحد 30 يوليو 2017 - 10:35 مساءً
قراءة نقدية في قصيدة الحمى    للشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين  :        بقلم : أ / خالد عبد الله الخامري

خالد عبد الله الخامري 

تهدف  القراءة :

إلى الكشف عن الدلالات العميقة في بنية القصيدة والتي تحاور التراث   وتتجاوزه رؤية وتشكيلا فنيا وجماليا ..وتبرز خصوصية الشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين

في بواكير ابداعه الشعري ..بهدف امتاع القارئ وإفادته معا  وتوجيه الدعوة للقارئ  ضمنيا للبحث والقراءة عن عظماء الإبداع الشعري العربي .

////القصيدة

———

لي دون جمرك يا حمّاي ساعرةً 

ناران من وجديَ الضاري ومن قَلقي

هل عز مبترد التوحيد مغتسلاً 

حتى أعمَّد بالثالوث من حُرَقي 

   

حللْتِ ضيفاً فما ضاقت به مقل 

فليس ذلك من طبعي ولا خلقي 

لكن بليت بخلف منك عذبني 

فلست أدري بصبح جئت أم غسق

إني لأكرمها لكن نازلتي 

لم يُغْرِها من ندى عيني سوى الأرق

أنتِ اللعوب التي لو شاقها نزق 

سقيتها بكؤوس الشوق من نزقي 

وترقبين أصيل الشمس حائلة 

لوناً لتلقيه في خدي وفي حدقي 

هانت على الناس قبل اليوم موهبتي 

أ أنت والناس يا حمى على ألقي 

   

لم يُبْقِ لي الدهر في عمري سوى رمق 

ولم أزل رغم دهري صامد الرمق 

بعد الثلاثين سبعاً عشت أُسْمنُها

من الهموم وأسقيها من الرهق 

فهل ترى تهنأ الأشجار شاتية 

بما تناثر فوق الأرض من ورق 

وهل إذا خان مضمار بفارسه

يحلو السرى ولياليه لمنطلق 

ركبت حُلْمي ولم أعثر به فإذا 

بالحلم يهزأ من تيهي ومن طرقي 

فيا صويحبتي زيدي العروق لظى 

وعَتِّمي بسواد المشتكي شفقي 

حسبي يد لم تفارق رغم رعشتها 

يراعتي وفم أرويه من عرقي

ودون حكمك من خيلي العتاق هنا 

قصيدة فعلى القرطاس مستبقي 

وناشر من دثاري كل أشرعتي

حتى أرى بين جفني والرؤى أفقي.

              (1)

       الرؤية والتشكيل

—————————

قصيدة (الحمى ) عالم ابداعي  مدهش ..يعترف بالماضي ..يحاوره ويتجاوزه معا .. يقرٱه بٱدوات الحاضر في ضوء المنطلقات والتحديات التي تواجه الٱمة العربية ..ليسبر أغواره .. ويشكل ملامح الحاضر..  ويستشرف المستقبل ..فيجسد هوية الٱمة ..بما يبرز عمق جذورها.. وعظمة منطلقاتها الثقافية والتاريخية …

برؤية إبداعية واعية اعتمدتها الذات الشاعرة  –  مشروعا عربيا توجب على المبدعين و أرباب القلم الاضطلاع بواجبهم تجاه قضايا أمتهم العربية .

قصيدة (الحمى)   تحاور الموروث الشعري العربي في عصره الذهبي (العصر العباسي الثاني ) تحتفي بعظمة الموروث والمبدع معا – عند أبي الطيب المتنبي في احدى روائعه( قصيدة الحمى) الذائعة الصيت – تحقق تناصا في الموضوع الشعري  ومضامين  بعض أبيات القصيدة ، كملمح جمالي و إبداعي ،استوعبته القصيدة العربية الحديثة تحول الثقافة التاريخية إلى رافد معرفي/ جمالي/وثقافي، يبرز  أصالة التجربة الإبداعية

 للشاعر محمد حسين آل ياسين  وارتباط علاقتها

 بمتغيرات ومعطيات الحاضر ..

**                    **            **

انطلقت الذات الشاعرة في قصيدة (الحمى) تبرز رؤيتها  وفلسفتها عن الواقع وعلاقتها بالاشياء  والتي تتخذ من الحمى  (ناران من وجدي ومن قلقي ) تكشف عن عمق المعاناة/ وما تتمظهر فيه / تسعر / وضرراوة حرارتها ، وما يترتب عنها من مظاهر عدم الرضا بالواقع والاستقرار في مظاهر الحياة اليومية .. عبرت عنه الذات الشاعرة بمجموعة مفردات تبرز قدرتها  بكثافة وتركيز الحمولة الدلالية والوجدانية معا (جمرك/حماي/ ساعرة /ناران  /وجدي الضاري /قلقي ) في البيت الاول فقط مبرزا  وبما يفيد القرب النفسي / المعاناة  بتوظيف النداء (ياحماي ) وبما توحيه اضافة ياء المتكلم من خصوصية المعاناة وقسوة  الٱلم  في (لي /حماي /وجدي /قلقي ) في البيت الاول  .. و توالت في ثنايا القصيدة …

عززت الذات الشاعرة هيمنتها وحضورها الطاغي بتوظيف ضمير المتكلم المستتر (أنا )في الافعال المضارعة (ٱعمد /أدري / إنّي لأكرمها/أزل / أسمنها /ٱعثر /أرى)  وتوالي وهيمنة اضافة واسناد ياء المتكلم  في (حرقي /طبعي / خلقي /عذبني /نازلتي /عيني /نزقي /حدي /حدقي /نوهبتي /ألقي /عمري ……)وتوظيف تاء الفاعل للدلالة على الذات ايضا في (ركبت /عست /بليت ).

.وبأسلوب متنامي /متسلسل  ومتصاعد وبجو مفعم بمرارة الٱلم وقسوته ومرارته وما ترك من تداعيات تكشف عدم الرضا بواقع الحياة وانكسار الذات معا ،وهو ما كشف عنه حركة كسر الروي في القصيدة ، محققا للقصيدة الوحدة العضوية والموضوعية ووحدة الجو النفسي ..

تتشكل القصيدة في حقول دلالية /أفكار/ مترابطة، متداخلة ، متنامية ، ابتدأتها بتشخيص أعراضها ،وما تتركه من آثار جسدية /حسية ، وتداعيات نفسية عميقة في الأبيات،

 انتقلت القصيدة إلى استعراض اجتياحها للجسد في إطار الزمان والمكان وكيف عاثت و أفسدت    حيوية وطاقات شبابه المكتسبة  إذ حولت ربيعه إلى خريف ، فما استبقت له إلا الرمق والأرق والرهق و… إلى أخر أبيات القصيدة …

تمكنت الذات الشاعرة من سرد أفكارها بأسلوب سردي تداخل الذاتي /بالمباشر  ..تضيق زاوية السارد وتتسع  ،وتتداخل بعدا وقربا من المكان والزمان بحسب المتغيرات الطارئة على الذات الشاعرة  ..أضفت الذات عليهما الأضواء والألوان والظلمة بدرجات متناهية في الدقة والتداخل والتناسق ..تموسقها جميعا بحركة تتراوح وتتناسب سرعة ،وخفة ، وبطأ، بحسب  ما تطرأ من متغيرات على الذات الشاعرة من ٱعراض  وتداعيات ..

تكشف عن تعدد مواهب  تمتلكها الذات الشاعرة من رسم معاناتها  بمشاهد /لوحات لونية غاية في الجمال والروعة ..تآزرها موهبة القدرة على نسج أعذب الالحان الموسيقية المعبرة والمجسدة لتلك الحركة وتناغمها مع روعة المشاهد منها مثلا قوله :

ترقبين ٱصيل الشمس حائلة

لونا لتلقيه في خدي وفي حدقي

وقوله :

فهل ترى تهنأ  الأشجار شاتية

بما تناثر فوق الأرض من ورق ..

—**          –**            —-***

             2/2

التشكيل الفني للقصيدة .

———————————

 تفصح قصيدة الحمى للياسين عن ريادة إبداعية ، حققتها الذات الشاعرة بما تمتلكه من مقومات الإبداع الشعري ، رؤية وفلسفة وتشكيلا فنيا وموضوعيا ..وغزارة اطلاع ثقافي ادبي . وتحمل أعباء التٱسيس لمرحلة جديدة ،يضطلع المثقف والمبدع العربي في تحمل مسؤلياته في تجسيد وابراز الهوية العربية في ظل صخب وتعالي موجات التغريب ..

كشفت الذات الشاعرة عن ريادتها بامتلاكها اللغة الشعرية كملمح رئيس وبارز في التجربة الشعرية ..اللغة الفصيحة القريبة من الواقع ومن أفهام الناس ..ذات الحمولة الدلالية المكثفة والمركزة والوجدانية معا ..

جسدت الألفاظ اعراض الحمى فهي (جمر /ساعرة /ناران/الضاري/حرقي)وجسدت أثارها وتداعياتها (ضاقت /عذبني/نازلتي/الأرق/رمق/الرهق/تناثر من ورق /لظى/رعشتها).

 وارتقت بعض المفردات اللغوية إلى مستوى الرمز الشعري بما تحمل من كثافة الدلالة وتركيزها، تبرز غزارة إطلاع الشاعر وثقافته ،وتربطه بالمجتمع ،وتفصح عن أبعاد ايديولوجية  تقلق الذات :

 ومنها (التوحيد :رمز العقيدة الصحيحة

الثالوث :الإنحراف العقائدي

المضمار :حياة الإنسان وعمره

الخيل : أصالة الثقافة العربية

الدثار : قيم مجتمعية

الحلم :الأمل

ارتبطت بعض الرموز الشعرية بالزمن  استوعبت الأحداث والحركة وبرز الخريف كمعادل موضوعي تتساقط فيه أوراق الأشجار ،ويناظر الحمى التى تتهالك وتساقطت بآلامها حيوية الشباب والتعبير عنها :

(الثلاثين سبعا عشت أسمنها # من الهموم وأسقيها من الرهق )

          الإيقاع اللوني في القصيدة :

احتفت القصيدة بالألوان في تظاهرة  فنية بديعة ،أعطت القصيدة بعدا جماليا .يبرز الفكرة ،ويعبر عن حالة الذات الشاعرة، وما ينتابها من حالة قلق ،وشكوى من تداعيات الألام وماخلفته الحمى من آثار نفسية وجسدية ، عبرت عنها باللون الأسود  في (عتمي بسواد المشتكي /يحلو السرى ولياليه  /بصبح جئت أم غسق ) ، وتوازن اللونان الأحمر والأبيض والبرتقالي لتجسيد حالات التفاؤل والأمل وحيوية المشهد وحركته زمنيا ونفسيا  في (ناران  /للأحمر —الشفق /البرتقالي — الصبح /الأبيض .) وتوزع اللونان الأخضر والازرق ليحتفي الأول  بسيادة الفطرة والثاني بالفضاءات الواسعة النفسية كالأول ، يعززا التفاؤل في سياق (الأفق  /للازرق –والشجر /للأخضر  ).

أعطى اللون الصورة الشعرية بعدا حيويا ،وايقاعا شكليا ،ونفسيا في كثير من الصور:

 (ترقبين أصيل الشمس حائلة /تهنأ الأشجار شاتية /ناشر من دثاري كل أشرعتي /ركبت حلمي ….  الخ ) أفصحت الذات الشاعرة من خلال الصور الشعرية عن ترابطها في تجسيد لوحات فنية تكثف الحسي بالمعنوي ..وأعطت للجوامد أبعادا إنسانيا كما في (ضاقت به مقل/ حللت ضيفا /بصبح جئت أم غسق /ترقبين أصيل الشمس …ً.) وهذه الصور الشعرية في مجملها تكشف حالات الذات الشاعرة في مختلف احوالها …

تآزرت الصورة  بالايقاع الصوتي في القصيدة وفي مستوياتها الظاهرية والداخلية ..نلحظ تلاؤم وتجانس الأصوات في المفردة اللغوية ومع ما بعدها …كما تتجانس المفردة بايقاعاتها الصوتية والنفسية معا ومنها اللونية ايضا ..تجسد دلالة المفردة وتنشد إبراز الفكرة العامة للقصيدة  ..وأعطت الموسيقى الخارجية الذات الشاعرة حرية وسرعة الحركة وخفتها في الانتقالات من فكرة إلى اخرى …

 أعطى روي القصيدة  (القاف المكسورة ) بعدا صوتيا تتعالى درجاته ..تبعا للحالة النفسية التي تسيطر على الذات ويبرز حالة انكسارها كأثر جسدي نفسي للحمى وحالات الإرهاق والوهن التي اجتاحتها ..

أبرزت الذات الشاعرة خصوصيتها في نسج عالمها الإبداعي ، فلقد أعطت الذات الشاعرة الأشياء والموجودات ما يتناسب معها من الحركات والوقفات، والصوت ،واللون، وتداخلهما معا من خلال التنويع ما بين الخبر والإنشاء ، أغرقت الذات الشاعرة في الخبر ، لإبراز حالات الثبات والديمومة للأشياء لتعارف الذات والأخر عليها  كأعراض الحمى  وأعراضها الجسدية …ووظفت الأسلوب الإنشائي في بعضها لأغراض فنية وجمالية كالاستفهام في مواضع عدة لابراز حالات الدهشة والتعحب في (أأنت والناس …../هل عزّ مبترد …/فهل ترى تهنأ الأشحار ….) .

و إبراز النداء في (يا صوبحبتي /يا حمى )لإبراز القرب النفسي بين الذات. والحدث الفكرة…

القصيدة تجربة إنسانية صادقة … جمعت الأصالة والمعاصرة شكلا وموضوعا  ..ووظفت تقنيات ومقولات المجددين من الشعراء في التعبير عن التجربة  ..ورصيد خالد للشاعر في المكتبة الإبداعية الشعرية …

                         2017/7/20  م

رابط مختصر
2017-07-30 2017-07-30
صالون النخبة