سام الغباري: عن شباب 11 فبراير والحوثيين والمؤتمر

آخر تحديث : الأحد 10 فبراير 2019 - 9:02 مساءً
سام الغباري: عن شباب 11 فبراير والحوثيين والمؤتمر
سام الغباري
سام الغباري

كنت هناك ، في بلادي ، استمتع كل صباح بصوت أبي يحثني على حمية غذائية ، أشاهده غاضبًا وفي فمه حديث عاشق لإبني الذي أحبه كثيرًا ، في صباحات الجمعة كانت العائلة تجتمع عند قبر أمي ، كنت أجلس إلى جوارها أحدثها بشغف عن شؤوني ، وهي صامتة كما كانت في حياتها . كنت هناك مُدمِنًا مدينتي ، أمنع عني شوق صنعاء وغموضها ، بوصفي حارسًا غير متقاعد ، وعاشقًا لا صبر له ، كان كل شيء جيدًا ، قات المدينة وفقرها ، وضحكة أهلها ونوادرهم الأثيرة ، إنتميت إلى ذمار كوطن ، فيها اهتز قلبي حذرًا ، وردّدت غرفة الجلوس صوت بكائي الأول . كنت هناك غارقًا في عشق نسوة لا أعرفهن ، كنت في الرابعة والثلاثين أفكر في عامي الأربعين بهلع ، وفي 9 فبراير 2015م تعرضت للاختطاف .

شباب ١١ فبراير الذين ناصبتهم الخلاف منذ أول يوم لإحتجاجاتهم، تضامنوا معي بقلوب حُرة ، قلة من الحزب الذي انتميت إليه حقًا تحدثوا عني ، بعضهم أعاد الإختطاف إلى “جهة مجهولة” ، ذلك اليوم كان قاسيًا ، حاولت أن اتفهم أسباب ما يجري ، وألفيت جيراني “الهاشميين” عند أبواب الإحتجاز يشمتون فيّ ، كنت حافي القدمين ، ارتدي جلباب النوم ، كان صباحًا قاسيًا ومريرًا .

ذلك اليوم ، غيّر حياتي إلى الأبد ، تعرفت إلى الأصدقاء الحقيقيين ، وفجعت من كثرة الخيانات والأقاويل التي نالت من عرضي وسمعتي ، رأيت انهيار الكبار ، واختلال موازين كل شيء في حياتي ، صرت أسمع جيدًا بعد أولى الصفعات التي تلقيتها على أذني من جارٍ هاشمي كان يأكل معي في صحن واحد أغلب صباحات الحياة الماضية .

لقد جعلني السجن أكثر استخفافًا بالموت ، فقد رأيت اصدقاء هناك يخرجون إلى ساحات الإعدام بقلوب راضية ، يُقتلون تنفيذًا لعقوبة أصدرها قاضي القضاة ، ذلك القاضي الذي يعمل اليوم تحت إمرة القاتل الحقيقي دون أن يملك جرأة على إدانة حاكمه الوغد ، فقط وحدهم الضعفاء يُقتلون بجريرة أو دون ذلك .

قررت أن أصبح قويًا ، فذهبت إلى القوي العزيز أسأله أسباب القوة وعطاء الطمأنينة وسكينة النفس وجلد التحمل على آفات الشائعات وأقاويل الخونة الأنذال ، فهدأت نفسي وسكنت روحي ، وخرج الناس يرفضون “الحوثي الهاشمي” وعلى طريق نضالهم رُفِعت صوري في مواجهة جريمة التمرد على جمهورية الشعب العظيم ونظامه وحريته . خرج عشرات الآلاف رفضًا لتكتيم أصوات الناس ومصادرة الشورى وإلغاء الحياة السياسية في بلادي الحبيبة .

يوم هاجرت وطني قررت أيضًا أن استعيده بما أجيد ، فقرأت مئات الكتب بحثًا عن أسباب التوحش الهاشمي على اليمنيين ، قرأت لمستشرقين فرنسيين وأيطاليين ، نقّبت في تاريخ صفين ومعارك الصحابة المؤلمة ، تسلقت أشجار الأنساب ، وطرت كرحالة على ضواحي اليمن وقبائلها أتتبع خطوات أبي الحسن الهمداني ، بحثت عن تاريخ الرجال المكروهين ، فوجدتهم ضحايا التوثيق الغادر ، ورأيت دموعهم تخضل لحاهم خلف قضبان الزور والتزوير والبهتان والتحريف والتأويل .

لقد سجن الهاشميون أفذاذ الأمة المتعاقبين في غيابات الجُب ،لأنهم أقروا حقوق الشورى والعدالة ومبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، صدرت احكام زائفة تناقلها الناس دون بحث وإدراك ، اتخذوا أقصر الطرق في تناولهم للحقائق مكتفين بالعناوين ومشاهدات افلام السينما ونتف العلم من مجموعات الواتساب ! .

الإنحراف الذي تعانيه الأمة بدأ من أول غلاف لسير المجرمين الذين أدانوا اليمانية وقتلوها وشردوها وذبحوها بسيف مُتناسل . مايزال آبائنا الكبار في سجون القرون الوسطى مثقلين بشائعات دمرت سمعتهم وشوهت تاريخهم وحولتهم إلى فُسّاق ملعونين .

في سبتمبر ٢٠١٤م حكم الهاشميون على كل أسلافنا بالبراءة وأدانوا أنفسهم ، كل أولئك الذين أغرقهم التاريخ بالخطايا ليسوا كذلك .. نحن بحاجة لمراجعة كل شيء ، واستحضار ظروف الصراع كاملة ، ورغم كل ذلك يبقى التاريخ حمال أوجه ، لا حقيقة ثابتة ، فكل إمرئ لديه مبرراته التي قد يكتبها أو يدع غيرها يفعلها .

أقول لكم وأكرر .. اكتبوا ، ولا تدعوا أي شاردة تمر ، تحدثوا بتصالح مع أنفسكم ودونوا أول اللحظات وآخرها ، فثمة من يقرأ .. ولو بعد حين .

كلمات دليلية
رابط مختصر
2019-02-10 2019-02-10
أبابيل نت