صقلية .. جزيرة إيطالية بطابع عربي وتأريخ إسلامي

آخر تحديث : الخميس 28 مايو 2015 - 9:20 مساءً
2015 05 28
2015 05 28
صقلية .. جزيرة إيطالية بطابع عربي وتأريخ إسلامي

تحمل شوارع بالارمو أسماء عربية واضحة، ولعل شارع “العطارين” الذي تبدأ به تخوم المدينة العتيقة من أبرز تلك الشوارع العربية، باسمها وطابعها. وهو عبارة عن ممر طويل تشكل بين منازل لها الطابع نفسه لمنازل قرية سيدي بوسعيد التونسية السياحية. شبابيك مقوسة تخرج عن استقامة الجدران بلونها الأزرق القاني، وزركشتها التي تحمل الطابع الأموي في تشكيلها لأنها تعود إلى فترة الفتوحات العربية الإسلامية التي انطلقت من تونس سنة 652 للميلاد. ويتواصل السير في شارع العطارين بقلب بالارمو الإيطالية، لتصل إلى منتصفه أين تبدأ دكاكين العطارين فعلا. الكثير من أنواع البخور والعطارة والبهارات توجد على طاولات المحلات خارجا، وكلها مرفوقة بالحشائش العربية المعروفة كالزعتر والإكليل والنعناع المجفف وغيرها. ويؤكد الباعة أن تلك الحشائش يستعملها السكان الصقليون (السيشيليون) للتداوي عوض الذهاب إلى الصيدليات، “فالتداوي بالأعشاب من أمراض الزكام والسمنة وغيرهما متأصل في الجزيرة منذ قدوم العرب إليها” حسب قول أحد الباعة. ويتأكد الحضور العربي الإسلامي العميق في ثقافة الجزيرة الإيطالية في الموسيقى التي تسمع بين الأزقة التي تحمل أسماء عربية، إذ بعد الانعطاف يمينا عند انتهاء سوق العطارين، يوجد شارع آخر اسمه “زقاق الكسكسي” وهو زقاق عتيق على شاكلة الأزقة العربية في تونس. العرب بشكل عام، وخاصة التونسيين لم تكن لهم خلفية الهيمنة على صقلية، بل كانت عقلية بناء وازدهار للجزيرة منذ زمن بعيد وتعود تسميته بـ”زقاق الكسكسي” لأنه يشتهر ببيع أكلة الكسكسي التونسية التي تعود إلى زمن البربر، وتشتهر تونس بهذه الأكلة منذ آلاف السنين. والموسيقى التي تسمع بين هذه الأزقة هي موسيقى تشبه “المالوف” المغاربي، وخاصة المالوف الجزائري والتونسي، وهي موسيقى أندلسية تعود إلى زمن خروج العرب المسلمين من الأندلس والعائدين إلى ديار المسلمين بعد أن دخل المسيحيون الفرنجة إلى شبه جزيرة إيبيريا بعيد سقوط غرناطة. ويمكن الاعتقاد لوهلة أن المتجول في هذه الأزقة لم يغادر المجال الحضاري العربي الخالص، أو أنه دخل إلى سياق ثقافي أوروبي يختلف عن العربي. الأمر في بالارمو أشبه بنسخ جيني لخصائص الموروث الحضاري العربي ووضعه في منطقة أكثر توغلا في الشمال، في قلب البحر الأبيض المتوسط. ويقول أستاذ اللغة والحضارة العربية في جامعة بالارمو فرانشيسكو ليجو إن الحضارات التي تركت بصمات في جزيرة صقلية الإستراتيجية هي أساسا اليونان والرومان والمسلمون والنرمان، “ولكن المسلمين هم أصحاب البصمة الأوضح في التراث الصقلي ولهم آثار لا تحصى في جميع أركان الجزيرة”. الذي يثير الانتباه أكثر في معالم وآثار مدينة بالارمو عاصمة مقاطعة صقلية الإيطالية، هي الآيات القرآنية التي كتبت على كاتدرائية المدينة بأحرف مرسومة بالخط المغربي. إذ لم تكن هذه الكاتدرائية سوى مسجد بني على طريقة المهندسين العرب القدامى الذين فتحوا المدينة، وتعتبر الكاتدرائية من بين أهم المعالم السياحية العالمية التي تشهد زيارة الآلاف، نظرا لكونها منارة للتعدد الثقافي والديني ومنبرا للتسامح والتصالح بين ضفتي الشمال والجنوب، العرب والأوربيين، المسلمين والمسيحيين. وللكاتدرائية شكل يشبه المسجد تماما، قبة مدورة في الوسط وصومعة طويلة كانت تمثل المئذنة التي ينادي من خلالها المؤذن باقي المسلمين للصلاة. وقد تميزت القبة بشكلها الذي يشبه قباب زوايا الأولياء الصالحين في المدن التونسية أو الجزائرية أو الليبية. أما الصومعة، ولئن تخللها جرس الآن يتم ضربه في أوقات الصلاة المسيحية، إلا أنه لا يزال يحتفظ بطابعه الإسلامي الواضح في الشكل والطول خدمة لوظيفة الأذان. ولعل اللغة، من بين أهم المؤشرات الثقافية والاجتماعية التي تميز شعبا عن آخر أو حضارة عن أخرى. لكن في صقلية، وخاصة في بالارمو، فإن اللغة المعتمدة في التخاطب والتواصل بين الناس لم تعرف بعد: هل هي العربية أم اللاتينية أم الإيطالية؟ ففي الحقيقة، يمكن سماع عديد الكلمات العربية في اللهجة الصقلية، مثل كلمة “زقاق” التي تعني الشارع الصغير، وكلمة “مسكينو” التي تعني المسكين في العربية. ويؤكد فرانشاسكو ليجو الباحث في الحضارة واللغة العربية أن اللغة الصقلية هي الآن اللغة الرسمية لدولة مالطا المجاورة، والتي تعرف “بقربها الشديد من اللغة العربية الفصحى”. ويؤكد فرانشيسكو ليجو أن العرب بشكل عام، وخاصة التونسيين لم تكن لهم خلفية “الهيمنة على صقلية، بل كانت عقلية بناء وازدهار للجزيرة منذ زمن بعيد”. فقد أسس العرب الفاتحون القادمون من القيروان التونسية مدينة بالارمو وشيدوا فيها المساجد والأسواق والأقبية، بالقدر نفسه الذي شيدوا فيه الكنائس والكاتدرائيات، “لقد كان الفاتحون أذكياء ومحنكين ومحاربين أقوياء وأيضا منفتحين ومتسامحين مع الأديان”. وفي ما يخص فنون الطبخ، “فتقريبا كل ما يطبخ في البيوت الصقلية وخاصة في بالارمو هو ذاته الذي يأكله عرب شمال أفريقيا بنسبة البهارات نفسها والمذاقات ذاتها والألوان التي يحبها سكان تلك المنطقة”. هكذا وصف الباحث ليجو التشابه بين المطبخ الصقلي ونظيره العربي المغاربي، وهو تأكيد آخر على أن جذور العرب المسلمين ضاربة في المنطقة منذ أكثر من 1200 سنة.

رابط مختصر